عبد الملك الجويني
298
الشامل في أصول الدين
قلنا : هو من الأوصاف التي لا تعلل ، والصفات تنقسم : فمنها ما يعلل ، ومنها ما يمتنع تعليلها ، والرجوع في إثبات الامتناع والتعليل إلى قضية الأدلة . وسنعقد في ذلك بابا إن شاء اللّه . والقيام بالنفس : هو الاستغناء عن المحل ، وليس من شرط ثبوت هذا الوصف ، التحيز . وكذلك ليس الموجب لافتقار المعنى إلى ما يقوم به عدم تحيزه . فقد وضح مصير خصومنا إلى الدعوى في جميع أطراف الدليل . فإن قالوا : لو كان القديم غير متحيز ، لوجب أن يوجد بحيث وجوده متحيز . وهذه دعوى أيضا ، وذلك لأن القديم لا اختصاص له بجهة من الجهات ، وحيز من الأحياز . وباطل أن يقال في وجوده حيث ، فإن هذه اللفظة من ظروف المكان ، ولا تضاف إلا إلى وجود يصح تحيزه . فقد رجع محصول الكلام إلى أن القديم يتعالى عن الاختصاص بجهة ، وكل جوهر يقدر ، فهو مختص بجهة ، وكيف يستقيم أن يقال : ما يختص بجهة لا محالة ، يوجد بحيث وجود ما لا جهة له ! ! والذي يقرب المقصود في ذلك : أنا لو جوزنا وجود عرض لا في محل ، قائما بنفسه ، لاستحل أن يقال : يوجد بحيث وجوده متحيز . والمعتزلة لما أثبتوا إرادة لا في محل ، لم يتصور عندهم حلول جوهر بحيث الإرادة ، وهذا متبين لا خفاء به . ومما تمسكوا به أيضا أن قالوا : من رجع إلى نفسه وأنصف ، علم أن الموجود الذي يستحيل تخصصه بجهة ، ويستحيل ربط المعرفة بجهته ، غير معقول . وكل من رام معرفة شيء ، سبق عقله إلى تقلب جهته ، وهذا من الفن الأول . وسبيل المفاتحة فيه أن نقول : أتعلمون ما ذكرتموه ضرورة أم نظرا ؟ فإن ادعوا العلم الضروري ، سقطت محادثتهم ، وانعكست عليهم دعواهم . وإن زعموا أنهم أدركوه نظرا ، طولبوا به . ولو سلكنا محض التحقيق ، لاكتفينا بهذا ، ولكنا نزيد عليه العلم بأن المخالفين يستزلون بهذا الكلام الجهلة من العوام . فنقول لهم : ألستم زعمتم أن القديم مقابل للعرش ، محاذ له ، ثم أنكرتم أن يكون مثل العرش أو أكبر منه أو أصغر ؟ والذي ذكرتموه أبعد ، فإن كل عاقل يعلم أن من ضرورة المتحيز المقابل للشيء أن يكون غير خارج عن الأقسام الثلاثة ، فإن لم يبعد مقابل لمقدر ، وهو ليس بمقدر ، فلئن لا يبعد موجود لا جهة له أصلا ، أولى وأحرى . ثم نقول : سبيل التوصل إلى درك المعلومات : الأدلة دون الأوهام ، والذي يحقق ذلك