عبد الملك الجويني
299
الشامل في أصول الدين
أن الواحد منا لو أراد أن يصور الأرض برحبها برها وبحرها في نفسه ، لما تمثل إلا قدرا مستنزرا ، ومبلغا مستحقرا ، وكذلك لو لم يخلق اللّه لأحد من البشر بصرا ، ثم راموا بعقولهم أن يصوروا في نفوسهم البصر على ما علموه ، إذ [ ا ] خلق لهم ، لما وجدوا لذلك سبيلا . وكذلك لو أراد العاقل تقدير جوهر فردا لا ينقسم ولا يتجزأ ، وقد أحاط به جوهران ، فالذي لاقاه أحدهما هو الذي لاقاه الثاني ، وإن الجوهر المتوسط لا تعده الملاقاة . فلو أراد أن يصور هذا الذي علمناه دليلا في أوهامنا ، لما وجدنا إليه سبيلا في مستقر العادة . وكذلك لو فكر الحي في نفسه ، وأحاط علما بأجسامه ، ثم أراد أن يصور حياته في نفسه ، تمثلت له الحياة شكلا متشكلا . وهذا يجده كل عاقل من نفسه ، فإذا زلت الأوهام عن كثير من المخلوقات ، فكيف السبيل إلى أن ندرك بها الرب الذي لا يشبه شيئا ، ولا يشبهه شيء ! وسبيل التحصيل في ذلك أن من وصف الإله ، يقدمه عن التصور في الأوهام ، إذ لا يتصور إلا صورة ، ولا يتقدر في الأوهام إلا مقدر . والذي يحقق ذلك أنا لو قدرنا عرضا قائما في غير محل ؛ ثم أردنا أن نصوره ، لم نجد إلى تصويره سبيلا . ومما يوضح الحق في ذلك أن من مذهب خصومنا : إن القديم والجوهر متحيزان ، لا يجوز تقدير تلاقيهما وتماسهما . فلئن لم يبعد ذلك ، لم يبعد ما ذكروه ، فاتضح حيدهم عن سنن التحقيق ، وسلوكهم مسلك الضلال في بغية الحق ؛ إذ من صفة الإله تقدسه عن التصور ، وإنما يعرفه من عرفه بصفته ، ومن صفته استحالة تصوره . فكيف يستقيم على منهاج الحق ، من يطلب معرفة من لا يتصور بالتصور ؟ وعن هذا المعنى ، عبر الصديق ، أبو بكر ، رضي اللّه عنه قال : العجز عن الإدراك إدراك . وللقوم تمسك بضروب من الظواهر ، نحن نعقد في ذكرها بابا بعد فراغنا من إيضاح الرد على القائلين بأن القديم ، تعالى عن قولهم ، يقبل الحوادث . فصل [ أدلة نفي الجهة ، ومحاولة المعتزلة صدنا عن ذلك ] اعلموا أن ما ذكرناه من الأدلة في نفي الجهة ، لا يستقيم على أصول المعتزلة . وقد أكثر أصحابنا في ذكر مناقضاتهم ، ومعظم ما ذكروه مكرر ، وجميع أقوالهم شيئان : أحدهما : أن الأدلة التي تمسكنا بها : منها ما يستند إلى نفي التقدر والتألف ، وقد أوضحنا عند ردنا على المجسمة اضطراب أصول المعتزلة ، وتعدد سبل الأدلة عليهم .