عبد الملك الجويني
297
الشامل في أصول الدين
القائلين بالعنصر على إحالة إثبات جواهر لا مجتمعة ولا مفترقة ، وهذا يلزم ما قلناه . وربما عبروا عن ذلك بأوجه ، ومحصول جميع العبارات آئل إلى هذا المثال . وسبيل المحصل أن يحقق عليهم أولا ، اجتزاؤهم بمحض الدعوى ، واكتفاؤهم بتعلل النفس بالمنى . فيقول لهم : لم زعمتم أن من سبيل كل قائمين بأنفسهما أن يكونا مجتمعين أو مفترقين ؟ فلا يرجعون عند المطالبة إلى محصول . وإن قالوا : نستشهد في ذلك بالجوهر ، طولبوا بوجه في الجمع والتجويز ، فإن راموا الجمع وتشبثوا بالقيام بالنفس ، وزعموا أن الذي منع ثبوت الجوهرين لا مجتمعين ولا مفترقين ، قيامهما بأنفسهما ، وهذا محض الدعوى . فنقول لهم : لم زعمتم أن المقتضى لما عنيتموه ما ذكرتموه من القيام بالنفس ؟ فلا يجدون إلى إبداء ذلك سبيلا . وأقصى ما يتمسكون به أن يقولوا : سبرنا صفات الجواهر وأحوالها ، فلم نجد صفة يعول عليها سوى ما ذكرناه ، وهذا ربط جهل بجهل . وذلك أنا نقول : عدم وجودكم ؛ ذهول منكم عن الحق ، فلم دلّ عدم توصلكم على انتفاء ما لم تدركوه ؟ فهذا لو حاققناهم . وإن خضنا معهم خوض مسامحين ، قلنا لهم : بم تنكرون على من يزعم أن المقتضي لما عنيتموه وما ذكرتموه نفيا وإثباتا ، تحيز الجوهرين لا قيامهما بأنفسهما ؟ فالقديم تعالى قائم بنفسه على معنى ينزهه عن الاحتياج إلى حل يقوم به ، وهو مع اتصافه بالقيام بالنفس ، متقدس عن التحيز . وإنما يلزم القرب والبعد بين شاغلين لحيزين ، فبطل ما قالوه من كل وجه . شبهة أخرى ومما تمسكوا به أن قالوا : القيام بالنفس هو التحيز ، ولا معنى له سواه . وإنما لا يقوم العرض بنفس من حيث لا يتحيز ، والموجودات منقسمة إذا إلى ما يتحيز وإلى ما لا يتحيز . فما لا يتحيز ؛ فهو المعنى الذي يوجد بحيث وجوده متحيز ، وهو معنى قيامه به ، وما يتحيز هو القائم بنفسه . فلو كان القديم غير متحيز ، كان في حكم المعاني التي لا تقوم بأنفسها . وهذا الذي ذكروه محض الدعوى . فأما قولهم : القيام بالنفس ، والتحيز . فهم منازعون فيه ، مطالبون بإيضاحه بالدليل ، ولا يجدون إلى ذكر دليل سبيلا . فلو قالوا : فما الموجب للقيام بالنفس ؟