عبد الملك الجويني

292

الشامل في أصول الدين

وهي مماثلة للسكنات المتعاقبة . فإذا وضح مماثلة السكون للحركة ، ثم الحركة إلى الجهة حادثة ، فليكن مماثلها مثلها ، وإلا فيلزم من ذلك إثبات قديم وحادث متماثلين . فلو قال القائل : بم تنكرون على من يزعم أن القديم يخالف الحادث بوصف القدم ، وإن شاركه في جملة الصفات ؟ وأوضح السائل سؤاله بأن قال : إنما يثبت التماثل عندكم عند استواء الذاتين في جميع الصفات الذاتية ، ولذلك لم ينكروا مشاركة علم الباري تعالى لعلمنا في أخص وصف علمنا مع اختصاصه بالقدم الذي خالف فيه علمنا ، فما المانع من مثل ذلك في الحركة والسكون ؟ الجواب عن ذلك : نحن وإن شرطنا التماثل في جميع صفات النفس ، فلا يقع بالقدم اختلاف ، إذ القدم يرجع إلى التقدم في الوجود ، وسبق الشيء بالوجود لا يخرجه عن مماثلة الحادث بعده ولا يؤثر ، إذ لو أثّر في ذلك بقدم إلى غير بداية ، لأثّر فيه بقدم مفتتح الأولية حتى يلزم من ذلك مخالفة الجوهر الحديث في حال حدوثه للجوهر القديم المتقدم في الوجود ، وهذا ما لا سبيل إلى المصير إليه . والذي يوضح الحق في ذلك اتفاق الموحدين على استحالة ثبوت صفة حادثة لا تتميز عن الصفة القديمة إلا بالقدم ، ولو أدركناها ، لما فرق المدرك بين القديمة من الصفتين وبين الحديثة ، فإن سبق الوجود مما لا يدرك . وهذه المقالة لم يرتضيها أحد من أهل المذاهب . فإن قال قائل : بم تنكرون على من يزعم أن الكون القديم يخالف الكون المحدث في وجوب الوجود له ، وجواز الوجود للحادث . وهذه الصفة ترجع إلى النفس ؟ قلنا : هذا باطل من أوجه : أحدها : أنا سنوضح أن الكون في الجهة المخصوصة يستحيل أن يقدر واجبا بعد ذلك . والوجه الآخر في الجواب أن نقول : وجوب الوجود عبارة عن انتفاء جواز العدم ، وليس براجع إلى ثبوت صفة ، فليس القديم في وجوب وجوده على صفة ذاتية ، بل المعنى بذلك انتفاء جواز العدم عنه ، ولا يقع التماثل بما يرجع إلى صفات النفي ، وسنقرر ذلك عند كلامنا في قدم الباري سبحانه وتعالى . وسلك بعض الحذاق طريقة قاطعة للأعذار ، فقال : لو قدرنا القديم في جهة محاذيا للعرش ، فإن كان مثل العرش أو أكبر منه ، لزم منا التبعيض والتأليف والتجسيم ، وقد قدمنا الرد على المجسمة ، بما فيه بلاغ واقناع . وإن زعم الخصم أن القديم متحيز واحد ولا يحاذي إلا جوهرا واحدا من العرش ؛ فإذا جاز تقدير [ ه ] جوهرا في جهة تحت ، لزم تجويز ذلك يمنة ويسرة وفوقا ، وهذا ما لا يجدون