عبد الملك الجويني
293
الشامل في أصول الدين
إلى التمنع منه سبيلا . وقد قدمنا في ذلك صورا من الكلام ، ثم إذا لزم كونه محاطا بالجواهر المتراصة التي لا تخلخل فيها ، فهذه الأجسام التي تركبت كذلك يجوز تزحزحها لا محالة . ثم إذا تزحزحت ، فلا بد من تزحزح ما أحاطت الجواهر به ، فإن المتحيز لا يداخل المتحيزات ، ولو داخلها للزم تجويز تداخل الأجسام كما صار إليه النظّام . ومساق هذا الكلام يجرّ خصومنا إلى تجويز خروج المتحيز عن حيزه ، وهذا يبطل وجوبه ولزومه في وجوده ، ولا مخلص للخصم من ذلك . فإن عادوا فناقشوا في جواز إحاطة الجواهر به من كل الجهات ، عدنا لهم ، واتسع عليهم منافذ الكلام . وإنما يدق موقعه عند من لا يحصل ، إذا فرض الكلام في وجوب الكون ، فهذه أدلة قاطعة في نفي الجهة . ومما تمسك به أئمتنا ، وطمع في التمسك به المعتزلة ، وإن لم يستقم لهم ، أن قالوا : لو اختص القديم بجهة ، لوجب أن يكون اختصاصه بها دون سائر الجهات جائزا مفتقرا إلى مخصص ، وأوضحوا ذلك بأن قالوا : الجهات متساوية الأحكام في حكم جواز الاختصاص بها ، فليس تقدير التحيز ببعضها أولى من تقدير التحيز بسائرها ، وإذا ثبت جواز الاختصاص ، ثبت حدثه ، فإن كل جائز حادث . ويجر ذلك إلى تجويز قيام الأكوان الحادثة بذات الرب سبحانه . وقد رأيت كافة الأئمة يصدّرون كثيرا من مسائل العقائد بهذه الدلالة ، فلم أجد بدا من بسط القول فيها ، وأنا الآن أوجه عليهم طرفا من الأسئلة المحيلة ، وأتقصى عنها مستعينا باللّه . فمما رام به الزائغون قدحا أن قالوا : قد بنيتم كلامكم على ادعاء تساوي الجهات في قضية الجائزات ، وأنتم ممنوعون مدفوعون عن ذلك . فإن ادعيتموه ضرورة ، لم يستقم ، وإن ادعيتموه نظرا ، فعليكم إظهاره . فما المانع من وجوب اختصاص بعض المتحيزات ببعض الجهات ؟ ومما اعترضوا به أن قالوا : الحيّ يجوز أن يتصف بالعلم والجهل على البدل ، إذ الحياة تصحح كل واحد منهما عند تقدير انتفاء ضده ، ثم لم يجب من ذلك أن يقال : لما اختص القديم بالعلم ، والقدرة ، والحياة ، وسائر الصفات ، وجب أن يكون مفتقرا إلى مخصص . ومما سألوه أن قالوا : علم القديم تعالى يتعلق بوجود الموجودات وعدم المعدومات ، وكان يجوز أن يوجد ما استمر عدمه ، ويعدم ما استمر وجوده . فإذا تعلق العلم بها على ما هي عليه ، مع جواز أن يزول ، ويزول تعلق العلم ، فينبغي أن يكون تعلق العلم بالمعلومات مفتقرا إلى مخصص .