عبد الملك الجويني
291
الشامل في أصول الدين
إلى الجمع بين إحالة المماسة وثبوت التحيز . وقد قررنا لزوم المصير إلى وصف المتحيز بالأقدار . ثم استدل القاضي في نفس المسألة بأن قال : لو كان القديم متحيزا ، لكان مشاركا للجوهر في أخص وصفه ، والمشتركان في أخص الأوصاف يلزم تماثلهما . وقد قدمنا منهجه في هذا الفصل في أحكام التماثل والاختلاف ، وذكرنا وجوه الاعتراض عليه ، وطرق انفصاله عنها ، ولا معنى لتكرير ما سبق . ومن أوضح ما نستدل به أن نقول : لو كان القديم - تعالى عن قول الزائغين - مختصا بجهة ، شاغلا لحيز ، فلا يخلو القول في ذلك إما أن يقال : إنه اختص بجهة لكون خصصه بها ، أو اختص بها لذاته . فإن زعم الخصم أنه اختص بها لذاته ، كان بذلك قادحا في إثبات الأكوان ، إذ لو جاز اختصاص المتحيز بجهة من غير كون يخصصه بها ، كان ذلك في كل متحيز . فلو قال الخصم : إنما افتقر الجوهر في اختصاصه إلى كون من حيث كان اختصاصه جائزا . فبم تنكرون على من يزعم أن القديم تعالى مختص بجهة على الوجوب ، ولا يجوز تقديره في جهة أخرى ؟ وهذا السؤال باطل من وجهين : أحدهما : أن الحكم إذا ثبت كونه معللا لمعنى شاهدا ، وجب طرد العلة غائبا ، ولا يمنع من طرد العلة افتراق الحكمين في الجواز والوجوب . والدليل عليه أنه لما ثبت أن كون الواحد منا عالما بجواز العلم ، لزم القضاء بذلك في كون القديم عالما . ومخالفونا في الجهات لا يخالفوننا في إثبات العلم ، والقدرة ، والحياة للّه تعالى ، فلئن لم يجب انتفاء الصفات لوجوب أحكامها للباري ، فكذلك القول في الاختصاص بالجهة ، ولا معنى للتطويل في هذا القسم ، فإن الخصم مذهبه أن القديم سبحانه وتعالى مختص بجهة لكون خصصه بها . ولو قالوا ذلك ، قيل لهم : لا يخلو الكون الذي أثبتموه من أن يكون قديما أو حادثا . فإن كان حادثا ، لزم منه الحكم بحدث ما قام به ، لأن المتحيز القابل للأكوان الحادثة لا ينفك منها ، وما لا يسبق الحوادث حادث . والكرامية ، وإن خالفونا في قيام بعض الحوادث بذات اللّه ، تعالى عن قولهم ، لم يخالفونا في استحالة قيام الأكوان الحادثة به . وإن زعموا أن ذلك الكون قديم ، كان ذلك باطلا من أوجه . منها ما ذكره الأستاذ أبو إسحاق حيث قال : الكون في جهة يماثل الحركة إليها ، فإن الحركة إليها كون فيها بمثابة الاستقرار واللبث . وقد أوضحنا في أحكام الأكوان أن الحركة سكون عند معظم المحققين ،