عبد الملك الجويني
290
الشامل في أصول الدين
ثم نقول لهم : ليس بعض الجهات أولى بتقدير الملاقاة فيها من بعض ، فلئن جاز اعتقاد المحاذيات من جهة تحت مع المصير إلى نفي التقدير ، كان تقدير الملاقاة يمنة ويسرة وقدّاما ووراء ، يلزم مثله في جهة فوق . ثم قصارى ذلك يجر إلى أن ينعتوا الرب بجواز كونه محاطا بالأجرام والأجسام . ثم إذا انجروا إلى ذلك ، اضطروا إلى التقدير بحيث لا يجدوا عنه مخلصا . ومما نتشبث به في الرد على القائلين بالجهة ، المانعين من تجويز المماسة أن نقول : أما من صار إلى أن الأجسام لو قدر تراكمها فوق الطبقة العليا من العالم ، لبلغت الموجود الذي نعتوه ، ولكنهم زعموا أن ذلك لا يجوز . فنقول لهم : ما المانع من خلق جوهر فوق الجوهر الأعلى من جواهر العالم ؟ فلا يجدون في ذلك مدفعا . ولو جاز منع خلق الجواهر في بعض جهات العالم ، لجاز منعه في سائر الجهات ، إذ ليس بعضها بالجواز ولا بالمنع أولى من بعض . وإن سمحوا بجوهر ، ألزموا مثله ، إلى أن يتقدر الاتصال بالموجود الذي نعتوه ، فلا مطمع لمثبتي الجهات في منع المماسّة . وأما الذين صاروا إلى أن الأجسام ، وإن قدر تراكمها ، فلا تبلغ الموجود الذي وصفوه ، فهذا إبعاد منهم ، لا يخلصهم عما أريد بهم . وذلك أنا نقول : إذا زعمتم أن الموجود الذي وصفتموه شاغل لحيز أو أحياز ، فله منقطع في جهة تحت لا محالة ، فما المانع من تصوير وجود جوهر عند منقطعة ، وكل الجهات متساو في تقدير خلق الجوهر مختصا به ، فيلزم هؤلاء ما لزم إخوانهم . ثم نقول لهم : هل تجوزون أن يخلق اللّه تعالى في يمنة العالم - مثلا - جوهرا ؟ ولو قدر تنضد الجواهر وتراكمها من منقطع العالم ، لما بلغت ذلك الجوهر . فإن لم يجوزوا ذلك ؛ وهو مذهبهم ، سئلوا عن الدليل عليه ، وطولبوا بإفصاحه ، فلا يعتصمون بشيء إلا انتقض عليهم بأصلهم في تجويز متحيز في جهة فوق لا تبلغه الجواهر . ثم يبطل ذلك بأصل الكرامية . فإنهم قالوا : البعد المفرط أو القرب المفرط مانعان من الإدراك بالحاسة . ومن معتقدهم أن الرب تعالى مرئي . فيقال لهم : قد صورتم أقصى البعد في الموجود الذي وصفتموه ، فكيف يتحقق مع ذلك على مقتضى أصلكم إدراكه ؟ وهذا إلزام منا إياهم ، وليس القرب والبعد مانعين عندنا من الإدراك على ما نقرره بعد ذلك إن شاء اللّه عند ذكرنا استقصاء القول في الإدراكات . وقد ثبت بما أوضحناه أن المصير إلى إثبات الجهة والتحيز يجر إلى تجويز المماسة ، ولا سبيل