عبد الملك الجويني

29

الشامل في أصول الدين

لصح شيء لا يعلم ، ولو صح موجود لا يرى ، لصح موجود لا يعلم إلى غير ذلك من المعارضات . وأما ما تمسكوا به أن قالوا : الصفات تنقسم إلى الواجب والجائز على ما يأتي حدّهما ، وحقيقتهما وكون الجوهر جوهرا ، وكون السواد سوادا إلى غيرهما من صفات الأنفس من الواجبات ؛ وكل ما كان واجب الثبوت لم يتوقف بثبوته على تعلق القدرة ، إذ من حكم أثر القدرة أن تكون إلى خيرة القادر ، والحدوث من الصفات الجائزة ، فوجب المصير إلى أن كون الذات ذاتا وكونه عرضا جوهرا مما لا يثبت بالقدرة ، وإذا لم يثبت بالقدرة ، لم يتوقف ثبوته على الحدوث المقدور . والذي يوضح بطلان ما قالوه من أوجه : أحدهما : أن كون الجوهر جوهرا عندنا ، غير كونه ذاته ، فلا فرق بين قول القائل : كون الجوهر جوهرا لازم من حيث لا يثبت ذاته إلا جوهرا ، وبين أن يقول : كون الذات ذاتا واجب . فإذا اكتفوا بذلك ؛ فنطرد عليهم مثله في الحدوث ، إذ لا يعقل حادث إلا حادثا ، وهذا بين لمن تأمله . على أن ما قالوه يبطل عليهم في قيام العرض بالجوهر ، فإن ثبوت هذا الوصف لازم عنده ، وليس من أثر القدرة ، ثم [ إنهم ] « 1 » لم يثبتوها قبل الحدوث ، بل أثبتوها لازمة بعد الحدوث . فبما ينكرون على من يثبت تباين صفات النفس على اللزوم عند الحدث ؟ وهذا ما لا جواب عنه . ثم نقول : إن جاز لكم أن تقولوا حدوث العرض مقدور ؛ وقيامه بالمحل يثبت مع الحدوث واجبا غير مقدور ، فلما لا يجوز لقائل أن يقول إن القيام بالجوهر هو المقدور ، ويثبت معه الحدوث واجبا غير مقدور ؟ ثم أقصى ما تمسكوا به أن ما كان مقدورا تثبت فيه الخيرة . وهذا يبطل بأصول منها : أن العلم بالألم مع الألم عند انتفاء الآفات عن الحي مما يلزم ثبوته ؛ ثم لا يسوغ لقائل أن يقول : إنما كان حدوث العلم في الصورة التي قلناها فلا يكون مقدورا ، وستأتي أمثلة ذلك في أحكام القدر إن شاء اللّه . فإن قالوا : الوحد منا يعلم انتفاء المستحيل وعدم المعدوم الذي يجوز تقدير وجوده ، فلو رجعا جميعا إلى نفي محض لما استبان الفرق بينهما ؛ إذ النفي لا تميز فيه ؛ فثبت أن الذي يجوز حدوثه ذات ، وهذا الذي قالوه يبطل بأوجه منها ، أن نقول : لم أنكرتم رجوع الفصل بين المعلومين إلى أنه يجوز تقدير ثبوت أحد المنتفيين وهو الجائز ، ولا يجوز تقدير ثبوت الثاني وهو المستحيل ؟ فثبت حقيقة الميز بذلك ثبوتا لا يستريب فيه متحقق . ثم نقول : لئن استبعدتم التمييز من غير إثبات فقولوا : لا يقع التمييز إلا بين ذاتين ؛ إذ

--> ( 1 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق .