عبد الملك الجويني

30

الشامل في أصول الدين

كما يبعد التمييز بين نفيين ، يبعد التمييز بين ذات وبين ما ليس بذات ، فأثبتوا المستحيل ذاتا لتميزوا بين ذات الجائز وذات المستحيل . ومما تمسكوا به أن قالوا : المعدوم في الأزل لا يخلو إما أن يكون غير اللّه وإما أن لا يكون غير اللّه ، فإن كان غير اللّه ؛ وجب أن يكون شيئا . وإن لم يكن غيرا واجب أن يكون هو القديم ، وهذا تجاهل مفرط ، إذ العدم عندنا نفي محض ، والنفي المحض كيف يثبت ليقدر غيرا أو خارجا عن صفة الغيرية . ثم نقول : بما تنكرون على قائل بقدم العالم يدير عليكم هذا التقسيم ؟ ونقول : إذا بطل أن يقال إن المعدوم ليس بغير ، وثبت أنه غير اللّه . وجب أن يكون موجودا . فإن كل غير موجود ، سيما إذا غاير موجودا ، ثم أقصى مرامهم الشناعة ، وعليهم دائرتها ، إذ أجمع أهل القبلة على أن الرب عز اسمه ، كان في أزله ، وليس معه غيره . ( ومن أصول المعتزلة [ عدم ] « 1 » إثبات أغيار مع اللّه تعالى . فصل [ الرد على كل المخالفين ] قد أوضحنا وجه الرد على من خالفنا في المعنى ، وأثبت المعدوم شيئا على التحقيق ونحن ننعطف الآن على سائر المخالفين الذين آلت منازعاتهم إلى العبارات ، ونثبت وجوه الرد عليهم . فأما وجه الرد على النصيبي « 2 » وهو من معتزلة البصرة ، حين قال : المعدوم ليس بذات ولا غير ولا تثبت له خصائص أوصاف الذوات ولكنه يسمى شيئا إطلاقا ولغة . فأول ما نفاتحه أن نقول : أنت لا تخلو في إثبات اسم الشيء : إما أن ترجع فيه إلى قضية العقل ، وإما أن ترجع إلى ثبوت السماع . ويستحيل المصير إلى قضية العقل ، إذ الأسماء لا تختص بمسمياتها عقلا ، واللغات لا تثبت إلا اصطلاحا أو توقيفا ، ووضوح ذلك يغني عن بسطه والإغراق فيه . وإن زعموا أنه أثبت هذا الاسم سماعا من أهل اللغة ، قيل له : فلا يخلو إما أن يكون ذلك حقيقة أو مجازا . فإن ادعيت الحقيقة في ذلك ، كنت مطالبا بإثباتها ، إذ الأصل عدم

--> ( 1 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق . ( 2 ) محمد بن الحسين بن عبيد اللّه ( . . . - 408 ه - . . . 1017 م ) . أبو عبد اللّه العلوي النصيبي قاضي دمشق وخطيبها ، ونقيب الأشراف فيها . كان أديبا بليغا . له « ديوان شعر » . الأعلام 6 / 99 ، ويتيمة الدهر 2 / 297 - 315 ، والمنتظم 7 / 279 .