عبد الملك الجويني

287

الشامل في أصول الدين

بتسميته جسما وجوده ، وقد قدمنا في ذلك ما فيه مقنع . وللنصارى مسلك في تسمية القديم جوهرا تعالى اللّه عن قولهم ، وسنعقد عليهم بابا بعد الفراغ من الكلام على المنتمين إلى الإسلام . فأما من قال : للّه تعالى خصائص الجواهر وأحكامها ، فالقول يتشعب على هؤلاء ويفضي إلى مسائل منها : التحيز ، والاختصاص ببعض الجهات ، ومنها قبول الحوادث والأعراض . ونحن الآن نوضح مقصدنا في نفي الجهات ، ثم ننعطف على تبيين انتفاء خصائص الجواهر عن القديم من سائر الوجوه . واعلموا أن مذهب أهل الحق : أن الرب سبحانه وتعالى يتقدس عن شغل حيز ، ويتنزه عن الاختصاص بجهة . وذهبت المشبهة إلى أنه - تعالى عن قولهم - مختص بجهة فوق . ثم افترقت آراؤهم بعد الاتفاق منهم على إثبات الجهة . فصار غلاة المشبهة إلى أن الرب تعالى مماس للصفحة العليا من العرش ، وهو مماسّة . وجوزوا عليه التحول والانتقال ، وتبدل الجهات ، والحركات والسكنات . وقد حكينا جملا من فضائح مذهبهم فيما تقدم . وصار أوائل الكرامية إلى ذلك ، ثم تبرأ منهم المتأخرون منهم ، ومنعوا مماسّة الرب شيئا من الأجسام . وافترقوا في تفصيل قولهم . فذهب هيصم وأتباعه إلى أن الرب تعالى مختص بجهة فوق ، وإذا رؤي وأدرك ، أدرك منها ، وبين ذاته وبين أعلى جزء من العالم من الخلاء ما لو قدّر مشغولا بالجواهر لاتصلت بذاته . وليس الخلاء الذي ذكرناه موجودا ، ولكن سميناه لضيق العبارة للتوصل إلى الأفهام . وصار طائفة من الكرامية يعرفون بالثونية إلى أن القديم في جهة فوق ، ولو قدر فوق الطبقة العليا من العالم من تراكم الجواهر ما يزيد على أضعاف الدنيا . لما بلغت ذات القديم سبحانه . ومما يتعين الانفصام به في هذه المسألة إفراد طائفة عن أحزاب أهل الحق مع انتمائهم إليهم ، وذلك أن بعض من يعزي إلى علم التوحيد ، ويتعلى بزعمه عن رذيلة التقليد ، صار إلى أن القديم مستو على عرشه ، ويأبى من تأويل الاستواء وحمله على بعض المحامل المشهورة في الاستواء . وسبيل الكلام مع هؤلاء أن نقول : هل تعتقدون اختصاص القديم بجهة من الجهات ، أم تأبون ذلك ؟