عبد الملك الجويني
288
الشامل في أصول الدين
فإن صرحوا بإثبات الجهة ، قاطعناهم وألحقناهم بمثبتي الجهة من المشبّهة ، وإن لم يثبتوها ولم ينفوها ، كانوا متشككين حيث لا يسوغ الشك ، إذ إثبات الجهة ونفيها أمران تحتوي عليهما قسمة بديهية ، إذ لا رتبة بين الإثبات والنفي . والمتشكك عندنا في نفي الجهة وإثباتها بمثابة المصمم على إثبات الجهة ، فإن كل معتقد يجب العلم به ، فالتشكك فيه بمثابة الجهل به . وإن صرح هؤلاء بنفي الجهات فقد وافقونا في المذهب ، وقالوا بأعظم ركني التأويل . فإن الذي يحاذره منكروا التأويل ؛ إزالة الظواهر . والذي نفى الجهة فقد أزال ظاهر الاستواء ، ولكنه لم يعين للفظ الاستواء بعد تعريته عن ظاهره محملا . والمتأولون عيّنوا له محملا . وإذا آل الأمر إلى ذلك ، فهو سهل المرام . فإن قال قائل : فما دليلكم على انتفاء الجهات عن الذات ، وتقدسها عن الاختصاص ببعضها ؟ قلنا : مخالفونا في المسألة أحزاب مختلفون . فمنهم الغلاة من الذين لا يتحاشون من كل ما ألزموا ، فإذا ألزموا تقدر الذات التزموه وباحوا به ، وإذا ألزموا تبدل الجهات لم يأبوه وأوجبوا القول به ، وعليه حملوا النزول المروي في بعض الأحاديث ، ولا ينكرون مماسته للجواهر ومماستها له ، ويفصحون بإحاطة جواهر العالم به ، ويعتقدون أنه على صورة آدم ، وأنه يتشكل للناظرين بأي شكل أراد . وألزم بعضهم أن لا يأمن أن يكون بعض من يتلقاه في الطريق والأسواق إلهه ، فالتزمه ، تعالى اللّه عن قولهم علوا كبيرا . وهؤلاء تقل أقدارهم ، وتتضاءل أخطارهم عن أن يفردوا ببسط القول عليهم . والذي يوضح افتضاحهم أن يسألوا عن الدليل على حدث السماوات والأرض ، فإن تشبثوا بسجيتهم في الركون إلى دعة التقليد ، فسحقا سحقا . وإن راموا مساهمة أهل القبلة في تدبر آيات اللّه واعتبارها ، والاستدلال بالصنع على الصانع ، لم يجدوا إلى ذلك طريقا . فإن كل ما يذكرونه في إثبات الحدث ، وأمارات الأولية ، انعكس عليهم في الموجود الذي اعتقدوه إلها ، فإن قصارى ما يتمسك به المعتبرون في حدث العالم تبدله وقبوله للحوادث ، مع استحالة التعري منها ، وكل ذلك مقرر فيما وصفوه . وإن أنكروا ركنا ، انعكس عليهم مثله في العالم . فمذهب هؤلاء : يرددهم بين القول بقدم العالم ، وحدث الباري تعالى عن قولهم ، وقد قدمنا في نفي التجسيم ما يوضح الرد عليهم . وصار معظم مثبتي الجهة إلى التمنع من وصف الرب تعالى بالأقدار ، والنهايات ، والحدود ، والأقطار . وقالوا مع ذلك : إنه متحيز ، مقابل لعرشه .