عبد الملك الجويني

286

الشامل في أصول الدين

رأسها ، فتستعلي أجزاء الماء في القارورة ، وذلك لاصطكاك الأجرام عند ارتفاع الوسائط . وهذا الذي ذكروه لا محصول له من أوجه : منها أنا نقول لهم : هلا انكسرت القارورة ؟ وهلا تضامت واصطكت أجرامها كما خلت عن جزء من الهواء ؟ أو نقول : أليس الذي يمنع الهواء من القارورة مدرج رأسها في فيه ، فكيف يأتي له امتصاص الهواء وفوه ممتلئ من الهواء ؟ فتناقض قولهم من قولهم . ثم الذي تمسكوا به عادة جرت على حسب اطراد العادة في الشبع والريّ وغيرهما ، ولا حكم عند نفاة الطبائع للعوائد ما لم تشهد لها العقول . فهذه جمل مقنعة في الاعتمادات والأكوان محتوية على قول بليغ في أبوابها مع توفر المعاني والاختصار في العبارات ، وهي من أعظم أركان الدقائق . وقد فيّض اللّه بحارها على أحسن الوجوه . ونحن الآن نخوض بعدها في إيضاح الأدلة على تقدس الرب سبحانه عن الجهات ، والأحياز ، وقبول الأكوان ، واللّه المستعان وعليه التكلان . باب القول في إيضاح الدليل على تقدس الرب سبحانه وتعالى عن الجهات والمحاذيات اعلموا أن وجه افتتاح الكلام ، وطريق ابتدائه في هذه المسألة وأغيارها مما نروم الكلام فيها ، أن نقول : قد قدمنا انتفاء تسميات الأجسام عن القديم سبحانه وتعالى ، وأوضحنا وجه الرد على المجسمة المخالفين في المعنى ، المثبتين للّه - سبحانه وتعالى عن قولهم - تألف الأجسام ، ثم رددنا على الذين أثبتوا اسم الجسم ، وأنكروا في صفات الباري حقيقته . فلو قال قائل : بم تنكرون على من يزعم أنه جوهر ؟ قلنا : مطلق ذلك لا يخلو : إما أن يثبت للقديم خصائص الجواهر ويسميه جوهرا ، وإما أن ينفي عنه تعالى أحكام الجواهر وخصائصها ويسميه مع ذلك جوهرا ، وإما أن يثبت له خصائص الجواهر وينفي عنه اسم الجوهر . وهذه الأقسام تخصص جملة المذاهب . فأما من وافق في استحالة اتصاف القديم بخصائص أحكام الجواهر ، وخالف في إثبات الاسم ، فنؤول إلى التنازع معه إلى التسميات والعبارات . وطريق الكلام مع هؤلاء كطريق الكلام مع الذين سموا القديم جسما ومنعوا وصفه بالتأليف ، وزعموا أنهم عنوا