عبد الملك الجويني
283
الشامل في أصول الدين
الهواء غير أن الاعتمادات تكثر وتقل . وحقيقة أصله أنه لا بد من تصوير اعتماد مع كل حركة ، وهذا ساقط جدا . فإن الحركة كون في المكان الثاني بعد الكون في الأول . والرب تعالى موصوف بالاقتدار على خلق كون بعد كون من غير تقدير اعتماد . ثم لو لزم مقارنة الاعتماد كل حركة ، وجب أن تكون كل حركة متولدة عن الاعتماد ، حتى يلزم من ذلك أن لا تكون حركات اليد مباشرة بالقدرة ، بل المباشر بها الاعتماد . ثم الاعتماد يولد الحركة ، وهذا ما لا قائل به منهم . واستدل أبو هاشم بفصول نفوا موقعها على أصول المعتزلة : منها أن الاعتماد قد تتحرك وتتولد فيه الحركة ، وذلك أن صفيحة لو كانت بحيث تنتصب لو انفردت ، ولكن عضدت من ورائها بعماد ، ولو تحامل المتحامل على الصفيحة مع بقاء العماد لما تزحزحت ، ولو اعتمد عليها المعتمد ثم زال عماد الصفيحة في الحالة الثانية من الاعتماد على التعاقب وانقطع الاعتماد ، فتزول الصفيحة لا محالة ، وإن لم يتحرك المعتمد في جهة زوالها ، فقد ثبت اعتماد محض مولد . ومن أوضح ما يتمسك به أبو هاشم أن قال : إذا اعتمد الرامي على الحجر ، فلا تتحرك يده في جهة الحجر إلا بعد حركة الحجر . وإذا سبقت حركة الحجر ، استغنت عن سبب ، والسبب لا يجوز استئخاره عن / المسبب ، وإن جاز تقديمه عليه . وهذا قاطع في إبطال مذهب الجبائي . وإذ قدرنا الاعتماد مولدا ، فيوجد الاعتماد أولا ، ويتحرك الحجر مترتبا على الاعتماد . وربما استدل أبو هاشم بأمر مصطلح عليه بين أظهر المعتزلة ، وذلك أنه قال : الحركة لا جهة لها ، والاعتمادات هي التي تختص بالجهات ، وما أرادوا باختصاص الاعتمادات بالجهات تحيزها ، إذ الأعراض لا تتحيز ، وإنما المتحيز الجوهر ، ولكن أرادوا بالجهة : أن كل اعتماد اختص أصله بجهة ، ويحسن منها على الاختصاص ، وليس كذلك الحركة ، فإنها وإن كانت ذهابا في جهة ، فالسكون في تلك الجهة يماثلها . وإنما ذكرت هذه العبارة - مع أنه ليس فيها كبير طائل - لتحيط بمراد القوم منها ، إذا عثرت على كلامهم . ومن أقوى ما تمسك به أبو هاشم أن قال : الحجر الثقيل إنما يستقر في الجو ، عند الجبائي [ بخلق ] سكنات متتابعة في معظم أجزاء الحجر ، فلو لم يخلق اللّه سكناتها لهوى الحجر لا محالة ، ثم مولد هويه ثقله واعتماده ، فقد دل أن الاعتماد يولد . وأعدل المذاهب - مع القول بالتولد - مذهب ابن عياش .