عبد الملك الجويني

284

الشامل في أصول الدين

فصل [ القول في سبب انعكاس الحجر إذا رماه الرامي في جهة فوق ] ومما اختلف فيه المعتزلة : أن الحجر إذا رماه الرامي في جهة فوق ، ثم انعكس ، فقد اختلفت المعتزلة في سبب انعكاسه . فذهب الجبائي إلى : أن انعكاسه تولد من حركاته صعدا ، وهذه نهاية الجهل ، فإن الحركات ارتفاعا ، لو ولدت هويا ، لولدته أول مرة ، إذ ليس بعضها أولى بتوليد الهوى من بعض . وقال أبو هاشم : إنما ينعكس الحجر لاعتماده اللازم السفلي ، وهذا مدخول باتفاق المتحذقين من المعتزلة ، وذلك أن الاعتمادات العلوية لم تزل تولد أمثالها ، وتتولد منها الحركة في جهة الاعتمادات المختلفة ، فهلا دام تولد الاعتمادات ، وترتيب الحركات عليها ، ما وجدت أجزاء الحجر في الهواء منفذا ؟ وهذا ما لا جواب لأبي هاشم عنه . وذهب عبد الجبار « 1 » صاحب « المغني » إلى : أن الحجر إنما ينعكس لأن الهواء يضطرب أمامه يمنة ويسرة ولا يزال كذلك في مدافعة الحجر حتى تقل اعتماداته المجتلبة فتغالبها الاعتمادات اللازمة فينعكس لذلك . ومما تكلموا فيه أن الجبائي قال : الحجر المرتفع إذا استبعد له مكثا في منتهاه ثم انعكاسا بعده ، وأبى ذلك معظم المتحذقين ، إذ ليس في الحجر إلا اعتماد مجتلب يولد الحركة في جهة علوّ ، أو اعتماد لازم يولد حركة الهوى والانحطاط . وللقائل أن يقول : الاعتمادات المجتلبة إذا غلبت ، ارتفع الحجر ، ثم لا يزال العلو حتى تتساوى الاعتمادات السفلية ، فيتفق للحجر عند تماثل الاعتمادات لبثه ، فإذا غلبت اللازمة ، وهوى الحجر . وربما يستدل بعض الناس في ذلك : بأن الحجر يحس له بطء عند انعكاسه ، ولو تردّى من مبلغ من ذلك الحجر حجر ، لما رؤي له بطء . وهذا فيه نظر . فإنه ربما يخيل للناظر بطء الحجر ، وهو مار صعدا ، ولكن من حيث بعد عنه ، لم يدرك أواخر حركاته .

--> ( 1 ) عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني الأسدآبادي ( . . . - 415 ه - . . . - 1025 م ) أبو الحسين ، قاض ، أصولي ، كان شيخ المعتزلة في عصره ، وهم يلقبونه قاضي القضاة ، ولي القضاء بالري ومات فيها ، له تصانيف كثيرة منها « الأمالي » و « المغني في أبواب التوحيد والعدل » و « تثبيت دلائل النبوة » وغير ذلك . الأعلام 3 / 273 - 274 ، ولسان الميزان 3 / 386 ، وتاريخ بغداد 11 / 113 .