عبد الملك الجويني

21

الشامل في أصول الدين

موجبات الثواب . ولا يقدح في هذا الإجماع مصير بعض المتأخرين إلى أن المعرفة ضرورية ، فإن ما ذكرناه من الإجماع سبق انعقاد هذا المذهب ، فإذا ثبت الإجماع فيما قلناه ، وثبت بدلالات العقول أن العلوم المكتسبة يتوقف حصولها على النظر الصحيح ، وما ثبت بدلالات العقول أن العلوم المكتسبة يتوقف حصولها على النظر الصحيح ، وما ثبت وجوبه قطعا ، فمن ضرورة ثبوت وجوبه ، وجوب ما لا يتوصل إليه إلا به . والذي يوضح ذلك : أنه إذا ثبت في الشرع افتقار صحة الصلاة إلى الطهارة ، ثم ورد بعد ذلك أمر بالصلاة صحيحة ، فالأمر بها يتضمن الأمر بالطهارة . وقد أشبعنا القول في الرد على الحشوية المقلدين المنكرين حجاج العقول في بعض « الأمالي » . فرأينا الاكتفاء به ، فهم أقل من أن يكترث بهم ، وإنما لم نعتصم في إثبات وجوب النظر بظواهر الكتاب والسنة ، لأن المقصد إثبات علم مقطوع به . والظواهر التي هي عرضة التأويلات لا يسوغ الاستدلال بها في القطعيات ، ولكن لو استدللت بها ، وقرنت استدلالك بها بإجماع الأمة على أنها غير مؤولة ، بل هي محمولة على ظواهرها ، فيحسن الاستدلال على هذا الوجه بظواهر الكتاب ، على ما أوردناه في الرد على المقلدين . فصل [ واجب المكلف ] فإن قال قائل : ما أول واجب على المكلف ؟ قلنا : هذا مما اختلفت فيه عبارات الأئمة . فذهب بعضهم إلى أن [ أول ] « 1 » واجب على المكلف معرفة اللّه . وذهب المحققون إلى أن [ أول ] « 2 » واجب عليه النظر والاستدلال المؤديان إلى معرفة الصانع . وهذا القائل يقول : إن النظر واقع قبل العلم وهو واجب وفاقا ، فأنى يستقيم مع ذلك المصير إلى أن [ أول ] « 3 » الواجبات المعرفة مع الاعتراف بأن قبلها واجبا ! ! والقائل الأول يعتذر عن ذلك لسبب [ أنه ] « 4 » أنكر وجوب النظر قبل العلم . ولكن المقصد من النظر العلم ، فعبرنا عن المقصد ، وهذا كما أن القائل يصف الصلاة بالوجوب في مفتتح الوقت في حق المحدث ، وإن كان المحدث لا يتوصل إلى إقامة الصلاة إلا بعد الوضوء . والذي يوضح ذلك : أن الصائرين إلى أن أول واجب النظر المؤدي إلى العلم باللّه متجوزون ، إذ النظر في العلم باللّه ،

--> ( 1 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق . ( 2 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق . ( 3 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق . ( 4 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق .