عبد الملك الجويني

22

الشامل في أصول الدين

ينبني على ضروب من النظر سيأتي ترتيبها إن شاء اللّه . والذي اختاره القاضي رضي اللّه عنه التصريح بالمقصد ، فإنه قال : أول واجب على المكلف أول جزء من النظر على الترتيب المشروط فيه . وقال الأستاذ أبو بكر : أول واجب على المكلف إرادة النظر إذ الإرادة تتقدم على المراد . وقال أبو هاشم : أول واجب على المكلف : الشك في اللّه إذ لا بد على أصله من تقديم الشك على النظر . ومن هذا الضرب من الشك قال : الشك في اللّه حسن ، وهذا خروج منه عن قول الأمة ، وتوصل منه إلى هدم أصله ، وذلك أن كل واجب مأمور به ، وتقدير الأمر بالشك متناقض ، إذ لا يثبت الأمر إلا مع العلم بالأمر ، واعتقاد ثبوته والعلم به مع التشكك فيه متناقضان . فاعلموا أن الكلام في هذا الفصل يؤول إلى العبارات ، وفيها التنازع ، ولا يتأكد في المعاني إلا الذي قاله أبو هاشم ، فهو مردود لفظا ومعنى . فصل [ الكلام فيمن أخذته المنية قبل انتهاء النظر ] فإن قال قائل : لو ابتدر العاقل في أول حالة التكليف إلى النظر من غير تفريط في النظر ، فاخترمته المنية قبل انتهاء النظر ، فما قولكم فيه ؟ إن ألحقتموه بالعالم كان بعيدا ، لأنه اخترم وهو غير عالم باللّه ، وكذلك إن ألحقتموه بالمقلدين كان مستعبدا ، لأنه لم يأل جهدا فيما كلف . قلنا : سبيله عند أئمتنا سبيل من مات في صباه ، وسيأتي تفصيل القول في صبيان المسلمين والمشركين في التعديل والتجوير إن شاء اللّه . وهذا مكلف يموت غير عالم باللّه ولا نحكم له بالنار على الأصح . ولو انقضى من أول حال التكليف زمن يسع النظر المؤدي إلى المعارف ، ولم ينظر مع ارتفاع الموانع ، واخترم بعد زمان الإمكان فهو ملحق بالكفرة . ولو مضى من أول الحال ، قدر من الزمان ، يسع بعض النظر ، ولكنه لم ينظر مقصرا ، ثم اخترم قبل مضي الزمان الذي يسع في مثله النظر الكامل ، فقد قال القاضي رضي اللّه عنه : يمكن أن يقال إنه لا يلحق بالكفرة ، إذ تبين لنا بالآخرة ، أنه لو ابتدأ النظر ، ما كان له في النظر نظرة ، ولكان لا يتوصل إلى مطلبه . وقال : والأصح الحكم بكفره ، لموته غير عالم ، مع بدو التقصير منه فيما كلف . وهذا يقرب من اختلاف العلماء في المرأة المصبحة صائمة في شهر رمضان ، إذا أفطرت بما يوجب الكفارة ، ثم عاجلتها الحيضة قبل مغيب الشمس فقد استبان لنا في الآخر ، أن صوم