عبد الملك الجويني
144
الشامل في أصول الدين
ما يعلل ، ومنها ما لا يعلل . فبينوا أولا كون التماثل معللا ، حتى إذا ثبت ذلك ، ترتب عليه تفصيل القول في العلة ، ولا تجدون إلى إثبات ذلك سبيلا . وقد أوضحنا في عمدنا طرقا دالة على منع تعليل التماثل . فإن قالوا : الدليل على ما قلناه إن السواد لما ماثل السواد ، كانا مشتركين في الأخص ، ولم نجد مثلين إلا مشتركين في الأخص ، فقضينا بذلك ، وحكمنا بكون التماثل معللا بالأخص . قلنا : أما اجتماع السوادين في الأخص فمسلم . وأما قولكم إنهما إنما تماثلا للاجتماع في الأخص ، فمتنازع فيه . فلم زعمتم أنه لما لم يوجد متماثلان إلا مجتمعان في الأخص ( وجب أن يكون الأخص ) علة ؟ وهذه طلبة لا يجدون إلى الخروج عنها سبيلا . ومما يتمسكون به أن قالوا : السواد إنما خالف البياض بكونه سوادا ، فإذا اختصت المخالفة بالأخص ، وجب أن تقع المماثلة بين المتماثلين بما تقع به المخالفة من المختلفين . وهذا الذي قالوه غير سديد ، فإن المخالفة لا تختص عندنا بالأخص ، بل قد تتحقق في الصفة العامة ، إذ العلم يخالف السواد في كونه علما ، وإن لم يكن ذلك من أخص أوصافه ، وكذلك السواد يخالف العلم بكونه لونا ، وقد أوضحنا ذلك في خلل أدلتنا ، وجررنا إلى التزامه المعتزلة . فوضح بذلك أن الاختلاف لا يختص بالأخص ، وبطل ما عولوا عليه جملة وتفصيلا . فهذه جملة كافية في الرد على القائلين بالأخص . فصل [ في حقيقة صفة النفس ] مشتمل على إيضاح الرد على الجبائي وشيعته حيث قالوا : المتماثلان هما المجتمعان في صفة النفس . اعلموا رحمكم اللّه أن الغرض في الرد عليهم ، لا يتضح إلا بعد تقديم القول في إيضاح صفة النفس والمعنى ، وتمييز أحد القولين عن الآخر ، وقد اضطربت المعتزلة وتباينت مذاهبها في حقيقة صفة النفس . ونحن الآن نذكر مذاهب أهل الحق ، ثم ننعطف على ذكر مذاهب المخالفين . إذا قال قائل : ما حقيقة صفة النفس عندكم ؟ قلنا : صفة النفس عندنا : كل صفة إثبات راجعة إلى ذات لا لمعنى زائد عليها . وهذا الحد سديد مطرد ، منبئ عن الغرض والمقصد ، فيدخل تحت هذا ، كون الجوهر جوهرا ، وتحيزه ، وكونه شيئا وذاتا ، وقبوله للأعراض ، ووجوده وحدوثه . وكذلك القول في جملة صفات الأجناس .