عبد الملك الجويني
145
الشامل في أصول الدين
وعبر الأستاذ رضي اللّه عنه عن صفة النفس بعبارتين آيلتين إلى مآل واحد . إحداهما أن قال : صفة النفس : كل صفة دل الوصف بها على الذات دون معنى زائد عليه ، وصفة المعنى : كل وصف دل الوصف بها على معنى زائد على الذات ، كالعالم والقادر ونحوهما . والعبارة الثانية تداني هذه في المعنى ، وذلك أنه قال : صفة النفس : كل صفة لا يصح توهم انتفاءها مع بقاء النفس ، وصفة المعنى : كل ما يتوهم انتفاؤه مع بقاء الذات . فإن قال قائل : علم الباري سبحانه وتعالى لا يتوهم انتفاؤه مع بقاء الذات ، ثم لم يكن من صفات النفس عندكم . قلنا : هذا غير لازم ، لأن انتفاء العلم لم يستحل توهمه لأجل بقاء الذات ، بل إنما يستحيل لقدم العلم ، وليس كذلك كون الجوهر جوهرا ، فإن استحالة انتفائه مرتبطة بتقدير بقاء الذات ، وهذا واضح لكل متأمل . [ اختلاف مذاهب المعتزلة في صفة النفس ] واختلفت مذاهب المعتزلة في ذلك . فذهب الجبائي إلى أن صفة النفس مما يتماثل المشتركان فيها ، ويختلف المختلفان فيها . وحقيقة أصله ترجع إلى أن صفة النفس هي الأخص الذي ذكره أصحاب الأخص ، ولا يتصور على قضية أصله ثبوت صفة نفس لذات واحدة . والذي صار إليه معظم المعتزلة : أن صفة النفس هي الصفة اللازمة للنفس ، وهؤلاء زعموا أن كون اللون لونا ، وكونه عرضا وشيئا من صفات النفس . وكذلك القول في كل صفة تلزم النفس في الوجود والعدم . ومن قضية هذا الأصل ، جعلوا كون القديم عالما من صفات النفس ، من حيث كانت هذه الصفة لازمة للقديم ، ومن ذلك منعوا تعليل الواجب . ثم قسموا الصفات أربعة أقسام : منها صفة النفس ، وقد قدمنا قولهم فيها . ومنها صفة المعنى : وهي كل صفة معللة بمعنى زائد على الموصوف . وعبر بعضهم عن صفة المعنى فقال : هي كل صفة جائزة . وهذه العبارة مدخولة من أوجه : أقربها أن الحدوث من الصفات الجائزة ، وليس من صفات المعاني . والثالث من الصفات ، صفة تثبت بالفاعل وهي : الحدوث ، وليس هو من صفات النفس عندهم ، إذ العدم يتصف عندهم بكونه نفسا مع انتفاء وصف الحدوث ، فصدهم ذلك