عبد الملك الجويني
136
الشامل في أصول الدين
فهل يقال إن تماثلهما حال زائد على سائر الأحوال ، أو هو منبئ عن التساوي في صفات الأجناس ، وليس حالا زائدا عليها ؟ وهذا مما ردد القاضي فيه جوابه . فقال مرة : ليس التماثل حالا زائدا على كون الجوهرين متحيزين ، شيئين ، حاملين للأعراض إلى غير ذلك من صفات أنفسهما . واستدل على ذلك بأن قال : لو جعلنا التماثل حالا زائدا على الصفات التي ذكرتها ، للزم أن أقول : إن الرب تعالى إذا خلق جوهرا فردا ، فيثبت له الحال المقدر المعبر عنه بالمثلية ، وذلك مستحيل . إذ الجوهر الفرد لا يماثل نفسه ، وإنما يماثل غيره . ولو قلت : إن الحال المقدرة تثبت بعد وجود جوهر آخر ، كان ذلك محالا قادحا في أصل متفق عليه ، وذلك أن الأحوال الثابتة للأنفس عن غير معان ، يستحيل تجددها للأنفس بعد سبق الأنفس . إذ كون السواد سوادا ، لما كان حالا راجعا إلى نفس السواد ، استحال تقدير نفس السواد غير متصف به ، فهذا أحد جوابيه . ثم قال : ولو جعلت التماثل حالا زائدة على ما ذكرته من صفات الأجناس ، كان مستقيما ، إذ التماثل وصف معلوم ، وحال معقول كسائر الأحوال ، ولا سبيل إلى نفيه مع القول بالأحوال . ثم انفصل عما ذكره في جوابه الأول فقال : لو خلق اللّه تعالى جوهرا فردا ، لكان على الحال الذي لو قدر جوهر آخر ، لسمى ذلك تماثلا ، فيثبت للجوهر الفرد الحال والوصف ، ولا يسمى تماثلا ، ولا يعد في وقوف تسمية على حدوث ذات . والذي يوضح ذلك : أن من صرف التماثل إلى غير أوصاف الأجناس ، فيلزمه مثل هذا السؤال ، إذ يقال له : إذا خلق اللّه تعالى جوهرا فردا ، فقد ثبتت له جميع صفات النفس ، ولم يسم مماثلة . ثم يسمى مماثلة عند وجود جوهر آخر ، فكذلك القول في الحال التي قدرناها ، وأثبتناها زائدة على أوصاف الأجناس . ثم قال رضي اللّه عنه : إن صرفنا التماثل إلى أوصاف الأجناس ، فهو مما لا يعلل أصلا ، فإن صفات الأجناس لا تعلل وفاقا على ما سنوضحه في أحكام العلل . وإن قلنا : إن التماثل وصف زائد على أوصاف الأجناس فهل يعلل ؟ هذا مما ردد أيضا فيه جوابه ، وقال : الأشبه منع تعليله وإن أثبتناه حالا زائدا ، ولو عللناه لم يبعد . ثم قال : إن سلكنا طريق التعليل فسبيل ، تعليل التماثل ما صار إليه ابن الجبائي من القول بالأخص ، وقد قال رضي اللّه عنه « كتاب العلل » : إن التماثل والاختلاف لا يعللان ، وقطع به قوله ، وهو الأصح من أجوبته ، فاعلموه . ومما نقدمه على ذكر الأدلة : أن معظم الأئمة صاروا إلى تجويز اجتماع المختلفين في