عبد الملك الجويني
137
الشامل في أصول الدين
الأخص ، وإن كانا مختلفين . وهؤلاء أوضحوا ما قالوه مذهبا . فإن قالوا : أخص وصف العلم الحادث بالسواد ، أنه علم بسواد معين ، وعلم الرب سبحانه وتعالى ، علم بذلك السواد بعينه ، ثم لم يقض الاشتراك في الأخص تماثل العلمين . والذي اختاره القاضي رضي اللّه عنه : أن المختلفين لا يجوز اجتماعهما في أخص الأوصاف ، إذ لو ساغ ذلك ، لساغ اجتماع شيئين في كونهما سوادين مع اختلافهما في صفة أخرى ، وسنعقد في ذلك فصلا إن شاء اللّه ، ونوضح فيه كلام القاضي وانفصاله عن مسألة العلم . فهذا ذكر المذاهب على الجملة ، ونحن الآن نوضح الرد على ما نعتقد بطلانه من المذاهب ، ثم ننعطف على إثبات مذهبنا . فأما الرد على الصائرين إلى أن المثلين هما المجتمعان في أخص الأوصاف فمن أوجه : أقربها : أن ننفي الأحوال ، ونحيل ثبوت وصف ليس بموجود ولا بمعلوم . ويسهل مدرك ذلك ردا على المعتزلة ، فإن من قال بالأحوال منهم ، لم يصفها بكونها معلومة ولا مجهولة ، وهذا خروج عن قضية العقل . فإذا بان انتفاء الأحوال ، رتبنا عليه غرضنا وقلنا : إنما السواد ثابت واحد ، وليست له صفات زائدة عليه يتصف بعضها بأنها الأعم وبعضها بأنها الأخص ، ( فقد بطل المصير إلى الأخص ) على نفي الأحوال بطلانا ظاهرا . ومما يقوي التمسك به أيضا أن نقول : أنتم لا تخلون إما أن تزعموا أن الاجتماع في الأخص ، يوجب الاجتماع في سائر الصفات ، إيجاب العلة معلولها ، وإما أن تزعموا أن الاجتماع في الأخص ، ليس بموجب للاجتماع فيما عداه . فإن زعمتم أن الاجتماع في الأخص ، يوجب الاجتماع في سائر الصفات - وهذا حقيقة أصل اللزوم - فيلزمهم على ذلك أن يمنعوا اشتراك المختلفين في الأوصاف العامة . فإن التماثل فيها ، إنما يوجب الاجتماع في الأخص ، والحكم إذا ثبت بعلة ، استحال قيام ثبوته مع انتفاء العلة . فإذا زعمتم أن الاجتماع في الأخص ، يوجب التماثل في سائر الأوصاف ، وقدرتم الاجتماع في الأخص علة موجبة ، فيلزمكم في حكم العلل ، انتفاء الاشتراك في وصف من الأوصاف عند انتفاء الاجتماع في الأخص ، إذ لو ساغ تعليل حكم بعلة مع ثبوته دونها ، ساغ تعليل كون العالم عالما بالعلم ، مع تجويز ثبوت هذا الحكم دون العلم . وهذا نقض للعلة وإبطال لها .