عبد الملك الجويني
135
الشامل في أصول الدين
أحدهما بالثاني عن الحادث والقديم ، فإن الحادث حصل بقدرة القديم ، فاشتراكهما في صفة الإثبات لا يتضمن تماثلهما . وحكى الأستاذ أبو بكر « 1 » عن القلانسي « 2 » قريبا من مذهب النجار ، وذلك أنه قال : كل مشتركين في الحدوث فهما مثلان ، ولم يرد أن الاشتراك في الحدوث يوجب الاشتراك في سائر الصفات على ما صار إليه أصحاب الأخص . ولكن محصول قوله يؤول إلى تجويز إطلاق القول بتماثل الحادثين في صفة الحدوث ، وإن اختلفا فيما عداه من الصفات . وهذا مصير منه إلى جواز القول باختلاف المتماثلين من وجه ، وتماثلهما من وجه . وحكى عن بعض أهل النظر أنه قال : لا يتحقق التماثل بين شيئين أصلا . فإن التماثل لا يتحقق مع ثبوت وجه من التباين والافتراق . ونحن نعلم أن كل موجودين متغايرين ، يباين وجود كل واحد منهما وجود الآخر . وذهبت الفلاسفة والباطنية إلى أن المثلين : هما المستويان في صفة من صفات الإثبات ، ومما ينبغي أن يحيطوا به علما قبل الخوض في ذكر الأدلة ، أن يعلموا أن الخائضين في أحكام التماثل على مذهبين : فمن صائرين إلى نفي الأحوال ، ومن قائلين بإثباتها ، على ما سنشرح القول فيها في الصفات إن شاء اللّه . ثم الذي صار إليه كافة أئمتنا ، القول بنفي الأحوال . ومن سلك هذه الطريقة لم يكن لتعليل التماثل عنده وجه ، إذ المتماثلان يتماثلان لأنفسهما ، وليس يرجع تماثلهما إلى وصف زائد على ذاتيهما ، بل تماثلهما عينهما . فلو قلنا : إن أنفسهما علة تماثلهما أنفسهما ، لآل مرجع الكلام إلى أنهما تماثلا لأنهما تماثلا ، وهذا لا معنى له . وأما القاضي رضي اللّه عنه فقد مال إلى القول بالأحوال ، وترددت فيه أجوبته ثم استقر جوابه في الهداية على القول بها . فمن قضية أصله أن كون السواد سوادا ، أو كونه لونا ، أو كونه عرضا ، أحوال زائدة على وجوده ، فإذا تماثل السوادان ، وتماثل الجوهران ،
--> ( 1 ) محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني ( . . . - 406 ه - . . . - 1015 م ) أبو بكر ، واعظ عالم بالأصول والكلام ، من فقهاء الشافعية ، سمع بالبصرة وبغداد ، وحدث بنيسابور ، وبنى فيها مدرسة وتوفي على مقربة منها ، فنقل إليها . وفي النجوم الزاهرة : قتله محمود بن سبكتكين بالسم ، لقوله : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رسولا في حياته فقط ، وإن روحه قد بطل وتلاشى . له كتب كثيرة منها : « مشكل الحديث وغريبه » و « النظامي » في أصول الدين ، و « الحدود » و « التفسير » وغير ذلك . الأعلام 6 / 83 ، والنجوم الزاهرة 4 / 240 ، ووفيات الأعيان 4 / 272 . ( 2 ) محمد بن الحسين بن بندار ، أبو العز القلانسي الواسطي ( 435 - 521 ه - 1043 - 1127 م ) مقرئ العراق في عصره . مولده ووفاته بواسط . من كتبه « إرشاد المبتدي وتذكرة المنتهي » و « رسالة القراءات الثلاث » و « الكفاية الكبرى » في القراءات وغير ذلك . الأعلام 6 / 101 ، والوافي بالوفيات 3 / 4 .