عبد الملك الجويني
132
الشامل في أصول الدين
مفض إلى التشبيه . وإلى ذلك صار من أثبت الصانع من الفلاسفة . وإليه مال بعض الباطنية ، فزعموا أن القديم لا يوصف بالوجود ، ولكن يقال : إنه ليس بمعدوم ، وكذلك لا يوصف بكونه حيا ، عالما ، قادرا ، بل يقال ليس بميت ولا عاجز ولا جاهل . وطردوا ذلك في جملة صفات الإثبات التي تثبت المحدثات أسماؤها . وقالوا : لو وصفنا الرب بشيء منها ، مع اتصاف الحوادث بها اقتضى ذلك تشبيها ، واختلف هؤلاء في وصف الرب بالقدم ، والإلهية ، وسائر الصفات التي يختص بها ولا يشاركه في أسمائها المحدثون . فذهب بعضهم إلى التمنع من إثباتها حسما للباب ، وذهب آخرون إلى إثباتها ، وصاروا إلى أن إثباتها يخالف إثبات الصفات الثابتة للحوادث ، إذ في إثباتها لزوم اشتراك القديم والحادث في الصفة . وليس يلزم ذلك فيما يختص به الإله من الصفات ، فهؤلاء أدتهم ظنونهم في نفي التشبيه إلى التعطيل . وغلت طائفة من المثبتين ، فاقتربوا من التشبيه ، واعتقدوا ما يلزمهم القول بمماثلة القديم صنعه وفعله . فذهب ذاهبون إلى أن الرب سبحانه وتعالى : جسم . ثم اختلفت مذاهب هؤلاء فزعم بعضهم : أن معنى الجسم : الوجود ، وأن المعنى بقولنا : إن اللّه جسم ، أنه موجود . وصار آخرون إلى أن الجسم هو القائم بالنفس وقد مال إلى هذين المذهبين طائفة من الكرامية « 1 » . وذهب بعض المجسمة إلى وصف الرب تعالى بحقيقة أحكام الأجسام ، وصار إلى أنه متركب ، متألف من جوارح وأبعاض ، تعالى اللّه عن قولهم . ثم غلا الجهلة من المجسمة ، فمن غلاتهم مقاتل بن سليمان « 2 » وداود الخوارزمي وهشام بن الحكم . فيؤثر عن مقاتل وداود إنهما قالا إنه لحم ودم . وقال هشام : هو نور يتلألأ كالسبيكة البيضاء ، وقال هو سبعة أشبار بشبر نفسه ، وأشار إلى أبي قبيس وقال : ما أظن إلا أنه أكبر منه بقليل ، وصرح بما يناقض ذلك في بعض مقالاته . فقال : هو أكبر من العرش ، والعرش يقلّمه ويحمله مثقلا به ، وهو مع العرش كالكرسي تحمله ساقاه ، وصرح كثير من اتباع المجسمة بأنه على صورة الإنسان وهيئته . ومما يتصل بذلك القول بالحلول ، وقد اختلف القائلون به : فصار صائرون إلى القول
--> ( 1 ) الكرّاميّة : أصحاب أبي عبد اللّه محمد بن كرام ، وهم طوائف بلغ عددهم إلى اثنتي عشرة فرقة وأصولها ست : العابدية ، والتونية ، والزرينية ، والإسحاقية ، والواحدية ، وأقربهم الهيصمية ، ولكل واحدة منهم رأي . الملل والنحل للشهرستاني ص 87 . ( 2 ) أبو الحسن مقاتل بن سليمان الأزدي بالولاء ، الخراساني المروزي . أصله من بلخ وانتقل إلى البصرة ودخل وحدث بها ، وكان مشهورا بتفسير كتاب اللّه العزيز ، وله التفسير المشهور . وأخذ الحديث عن مجاهد وعطاء وغيرهما ، وكان من العلماء الأجلاء ، توفي بالبصرة سنة 150 ه . الملل والنحل ص 83 ، ووفيات الأعيان 5 / 255 - 257 .