عبد الملك الجويني
133
الشامل في أصول الدين
بقدم الأرواح ، والمصير إلى أنها من ذات القديم تحل الأشخاص والأشباح [ فتحيا ] « 1 » بها ثم ترجع إلى الذات عند انقضاء حالها . وصار آخرون إلى تخصيص الحلول بالأجسام المونقة البديعة الهيئة ، المختصة بحسن المنظر . فزعم أن جزءا من الإله يحل هذا الضرب من الأجسام . ومنهم من خصص ذلك بالحيوان ، ومنهم من طرده في جملة الأجسام التي تتخصص بحسن الهيئة . ومما يجر إلى إثبات أحكام الأجسام : مذهب النصارى في اتحاد اللاهوت بالناسوت وامتزاجهما ، على ما سنبسط القول عليهم إن شاء اللّه . ومن الغلاة في التشبيه اليهود « 2 » على ما سيأتي شرح أقوالهم . وإنما الغرض من ذكر هذه المذاهب ، التوصل إلى طرق الرد على معتقديها ، والابتهال إلى اللّه سبحانه وتعالى في أن يوفقنا للشكر على ما خصصنا به من الدين القويم والمنهج المستقيم ، المتعالي عن تعطيل المعطلة ، وتجسيم المجسمة . ومما يتصل بصدر هذا الكتاب من قبل الخوض في المطلب ، ذكر معنى التشبيه . [ التشبيه ] اعلموا أن التشبيه قد يطلق والمراد به اعتقاد المشابهة . فيقال لمعتقده مشبّه ، كما يقال لمعتقد الوحدانية موحد . وقد يطلق التشبيه والمراد به الاخبار عن تشابه المتشابهين . وقد يطلق والمراد به إثبات فعل على مثال فعل . فيقال للذي رام فعلا يشبه فعلا ، قصد تشبيه فعله بفعل غيره ، وقصد تشبيه فعله اللاحق بفعله السابق . فإن قال قائل : هل تسمون الغلاة من المجسمة مشبهة ؟ قلنا : هذا مما اختلف فيه جواب شيخنا ، فقال في بعض كتبه : إن الغلاة منهم مشبهة ، وإن لم يصرحوا بلفظ التشبيه ، بل أبوه وامتنعوا منه ، لأن الأمة أجمعت على من قال : الرب صورة متصورة على هيئة الإنسان ، فقد شبه ربه ، فلا ينفع صاحب هذا المذهب بعد ذلك نفي سمة التشبيه . وقال في بعض مقالاته : المشبه من يعترف بالتشبيه ، فأما من ينكره يثبت - مع التجسيم والغلو فيه - للرب صفات لا يجوز ثبوتها إلا للمخلوقات ، فلا نسميه مشبها تحقيقا ، إذ المشبه : من يعتقد تشابه الرب والمحدث من كل وجه ، إذ حقيقة المثلين :
--> ( 1 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق . ( 2 ) اليهود : بنو إسرائيل ( مع ) . قيل : إنهم سموا كذلك باسم يهوذا أحد أبناء يعقوب ، واليهودية ملة اليهود .