عبد الملك الجويني

129

الشامل في أصول الدين

تخلص ، وإن تكن الأخرى ، لم يستقم له وجه سديد يقطع الطلبات في دفع هذا السؤال . وأقصى ما قيل فيه أوجه قدمناها . منها أن يقال : لو لم يكن له مخصص ، لما كان بالاختصاص بوقت وصفة ، أولى من الاختصاص بغيرهما . وللمطالب أن يقول : لم لا يجوز أن يختص من غير مخصص ولا مقتض ؟ ومما قيل في الجواب عن ذلك : أنه لو جاز الاختصاص بوصف من غير مخصص مقتض ، لجاز المصير إلى أن المتحرك يختص بوصف التحرك من غير مقتض ، وهذا فيه نظر أيضا . فإن من أصعب الأسئلة في نفي الأعراض ، أن يقول القائل : ثبت التحرك لا للنفس ولا لعلة ، فليس يستقيم إحالة الجواب في هذه المسألة على الأعراض ، والسؤال متوجه في المسألتين . فأولى الطرق وأحراها ادعاء الضرورة ، وعليه يدل كلام شيخنا [ حيث ] « 1 » اقتصر على الاستجهال في الاستشهاد بالبناء والكتابة ، ولم يبح بصيغة الاستدلال . فعلى هذا لا معترض على شيخنا . فإن موضح الضرورات يذكر في كشفها الصور والأمثال ، وإن لم يكن فيها طرق الربط والتحرير . وذكر بعض الأئمة وجها آخر في الانفصال فقال : الكتابة لا تقع إلا من كاتب ، فقد ارتبطت الكتابة بالكاتب حتى نستجهل منتظر وقوع الكتابة والبناء من غير كاتب وبان . وإذا ارتبط الشيء بالشيء ، وكان الغرض التعرض لإثبات التعلق على الجملة دون التفاصيل ، فلا يصير كون ذلك الارتباط راجعا إلى الكسب أو الاختراع أو اطراد العادة . وذلك لأن العاقل يعلم التعلق أولا ، ثم يعلم بعده تفصيله بدقيق النظر . وهذه الطريقة غير مرضية إذ لا تعلق للبناء بالباني أصلا ، واستمرار العادات لا يعلق شيئا بشيء . فأصل التعلق منتف عندنا ، واطراد العادة ليس يتعلق ، وهذا يتضح لمن تأمله . وأنّى يستقيم ادعاء صرف التعلق إلى العادة ، مع المصير إلى تجويز انخراقها ! ! فاجتز بما قدمنا من الطرق ففيها أكمل الغنية . وأما ما تمسكوا به من أن الاستجهال يتحقق في انتظار وقوع البناء والكتابة من غير بان وكاتب منا ، وإن قدر وقوعهما بقدرة اللّه ، فهذا غير مستقيم . فإن من قدر تجويز وقوع ذلك بقدرة اللّه ، كان محقا غير مستجهل . وإنما يتجه هذا السؤال على من يتمسك بالعادات واطرادها ولا يذكر وجها في التعلق سواها . وأما ما ذكروه من أنه اقتصر على الدعوى ولم يقرنها بالحجاج ، فساقط من وجهين : أحدهما : أنا إذا قلنا إنه سلك طريق دعوى الضرورة ، فلا يلزم على ذلك إيضاح حجاج ، بل أقصى ما يطلب في كشف الضرورات وإيضاحها ، ذكر الأمثلة على الجملة . وإن قلنا : إنه

--> ( 1 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق .