عبد الملك الجويني

130

الشامل في أصول الدين

رضي اللّه عنه احتج وسلك مسلك النظر ، ففي كلامه التنبيه على وجوه النظر وطرائق الاستدلال . ولكن الكتاب وجيز لا يحتمل البسطة والاغراق ، ورب غنية أنجع من بسط . وأما ما ذكروه من أن إثبات المحدث غائبا ، لا يستقيم ممن لم يثبت محدثا شاهدا ، فساقط من أوجه : أحدها : أن نقول : لو سلمنا لكم امتناع الاستشهاد بالشاهد على الغائب ، لم يكن في ذلك ما يصد عن إثبات المحدث ، وذلك أن الاستشهاد بالشاهد آمن وجوه الأدلة ، وللأدلة طرق سواه . فليس في انسداد طريق منع من التمسك بغيرها ، على ما سنذكر ضروب الأدلة في كتاب « العلل » إن شاء اللّه . والذي يحقق ما قلناه : إن تعلق الحادث بالمحدث من الوجه الذي قدمناه ، يتحقق من غير تعرض لشاهد وغائب . إذ الحدوث الجائز يفتقر من وجه جوازه إلى خصص من غير أن يخطر للناظر المستدل تثبيت فاعل شاهدا . ثم لو صح ما قالوه ، للزم منه نفي مخترع الجواهر ، من حيث لم يجد شاهدا مخترعا للأجسام . فإن راموا من ذلك انفصالا ، وقالوا : ثبوت الاختراع في الأعراض يدل على ثبوته في الأجسام . قيل لهم : إن جاز الاستدلال بخلق الأعراض على خلق الأجسام ، مع اختلاف الأجناس ، ولزوم اختلاف الأحكام ، فلا يستبعد أيضا الاستدلال بتعلق قدرتنا على تعلق قدرة الباري ، وإن اختلف وجه القدرتين . ثم الذي قالوه يجر إلى الدهر ونفي الصانع ، فإن قائلا لو قال : لم نجد إلها شاهد ، فلا سبيل إلى إثبات إله أصلا ، وكذلك إذا قال المجسمة : إذا لم نشاهد فاعلا إلا جسما ، لزم القضاء بذلك على الغائب . فاستبان بذلك بطلان ما عولوا عليه ، وسنشبع القول في ذلك في خلق الأفعال إن شاء اللّه . ثم نقول : إنما يمتنع عليكم إثبات المحدث لمناقضاتكم في معتقداتكم . فمما يصدكم عن ذلك لمناقضاتكم ما صدكم عن إثبات حدث العالم ، إذ لا يثبت المحدث لمن لم يثبت له حدث الحوادث ، ثم نقول : إن لم يبعد على مقتضى أصلكم ثبوت حادث مختص بوقت ووصف ، غير مفتقر إلى إرادة ، فلا تستبعدوا ثبوت فعل غير مفتقر إلى فاعل . وأردنا بما قلناه إرادة الرب على مذاهب البصرية . فإنهم أثبتوا للّه إرادات حادثة ، وزعموا أنها لا تراد . ولا يتخلص الكعبي مما أريد بإخوانه بأن ينفي الإرادة ، فإن الذي قاله أعظم وأطم ، إذ لو جاز ثبوت العالم من غير قصد وتخصيص وإرادة ، جاز ثبوته من غير قدرة . ومما يصد المعتزلة عن إثبات الفاعل : نقضهم دلالة الأحكام على العالم ، فإنهم زعموا أن الاحكام يدل على العالم ، ثم جوزوا فعلا ، محكما ، متقنا ، صادرا ممن لم يعلمه . فلئن جاز انتقاض هذه الدلالة ، ساغ انتقاض دلالة الفعل على الفاعل .