عبد الملك الجويني

128

الشامل في أصول الدين

الطبيعيات ، وهي أطوار النطف ، واستشهد في الرد عليهم بالاختياري ، وأومأ إلى استواء جميع الحوادث في الفرع والأصل بالاحكام والاتقان ، والتخصص بالصفات والأوقات ، فهذا ما رامه . فأما التعرض لتعيين القول في الباني والكاتب ، فلم ينطو عليه كلام شيخنا . وهذا من أحسن الوجوه في الانفصال عن السؤال . فإن قال قائل : ذكره البناء والكتابة يدل على أنه أراد فرض الكلام في المخلوقين ، فإن الرب ، تبارك وتعالى ، يتصف بكونه خالقا مبدعا ، ولا يتصف بالبناء والكتابة ، وهذه غفلة من السائل . فإن الرب تعالى أضاف البناء إلى نفسه فعلا من آي من كتابه . منها قوله تعالى : وَالسَّماءِ وَما بَناها [ الشمس : 5 ] . وقال تعالى : كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [ الأنعام : 12 ] . وفي الحديث : ( إنه كتب التوراة بيده ) « 1 » . فلا امتناع في إضافة البناء والكتابة إلى اللّه تعالى خلقا وفعلا . وسلك بعض الأئمة مسلكا آخر فقال : اختار شيخنا المصير إلى أن الحوادث يعلم استحالة تكونها بأنفسها اضطرارا ، ومن صح عنده حدث السماوات بما فيها من عجائب الآيات وحدث الأرضين ، وعلم أنه لم تكن كانت . واعتقد جواز كونها وجواز استمرار العدم ، فيعلم من ثبوت هذه العقائد ضرورة وبديهة ، أن هذه الحوادث لم تكن بأنفسها من غير مقتض ولا مخصص . وقد مال إلى ذلك ابن الجبائي وغيره من المعتزلة . والقاضي رضي اللّه عنه لا يفصح بذلك في شيء من كتبه ، إلا أنه ذكر ما يلجئ إلى ذلك ويدل عليه لا محالة . وذلك أنه قال : بضرورة العقل نعلم أن العقل المحكم المتقن ، يدل على العالم . ثم ببديهية العقل نعلم كون استحالة العالم ميتا ، ووجوب كونه حيا . وأشار إلى إبطال طرق المستدلين في هذه المسائل . فلا يكاد يخفى على محصل أن المصير إلى افتقار المحكم إلى عالم ضرورة وبديهة ، يتضمن لا محالة إثبات الفاعل ضرورة ، إذ تعلق الفعل بالفاعل أوضح في النفوس من تعلق الاحكام بالعالم ، كيف وقد أثبتت المعتزلة أفعالا متقنة محكمة لا تدل على علم فاعلها . وإنما ذكرت من أصل القاضي ما ذكرته ، لتعلم مشاركته لهؤلاء في ادعاء الضرورة ، وإن لم يصرح بذلك في صدر الكتاب . قال عبد الملك بن عبد اللّه : أسد الطرق عندي في المسألة ادعاء الضرورة ، ومن لم يسلك هذا المسلك أولا ، اضطرته الحاجة إلى سلوكه آخرا . فإن من سلك طريق الاستدلال ، كان من أقسام دليله أن قائلا لو قال : حدث الحادث لا لعلة ولا لمقتض ولا لمخصص ، فإن رد هذا القسم وأسنده إلى دعوى الضرورة وأوضحه بالشواهد والأمثلة .

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ( سنة 16 ) ، وابن ماجة ( مقدمة 10 ) ، وأحمد بن حنبل 2 ، 268 ، 392 ، 448 ، 464 .