عبد الملك الجويني

127

الشامل في أصول الدين

والغرض الآخر أنه رضي اللّه عنه علم أن المقصود من كل ما يحرم عليه : معرفة الإله . فرأى البداية بالمقصود أولى ، وتصدير الكتاب به أحرى ، فأحسن من ترتيب . ولكن لم يحظ به المعتزلة إما لفرط التعنت ، وإما لعدم البصائر . وأما ما ذكروه من الكتابة والكاتب ، والبناء والباني ، من قولهم : إن الكتابة لا تقع مقدورة عندكم للكاتب ، لا على وجه الكسب ، ولا على وصف الاختراع . وقد ذكر أئمتنا طرقا في سبيل استشهاده بالكتابة والكاتب ، والبناء والباني . فمنهم من قال : أراد بالكتابة التي استشهد بها : حركات الكاتب القائمة بمحل قصده ، المستعقبة بألف الحروف وانتظام الأسطر على مجرى العادة ، فرجع استشهاده إلى ما هو مقدور الكاتب . ثم من أصحابنا من قال : إن الكتابة هي التي تقوم بالكاتب ، ولكنها تكتسب هذا الاسم عند وقوع الأحرف بائنة من محل القدرة ، بقدرة الرب سبحانه وتعالى . ولا بعد في تسمية مقدرات الكاتب كتابة ، إذ يجوز أن يقال : فلان سريع الكتابة ، وفلان بطيء الكتابة . ويراد بذلك توالي الحركات وقلة الفترات ، ويراد بالبطيء نقيض ذلك . وهذا القائل يصير إلى أن الخط يسمى كتابة تجوزا ، فإن الكتابة مقدورات الكاتب ، والخط حروف تنظم ، وكلمات تتعاقب . وصار صائرون إلى إطلاق اسم الكتابة على الخطوط ، وعلى مقدورات الكاتب جميعا . ونقول : اسم الكتابة وإن تناول ما كان مقدورا للكاتب ، وما لم يكن مقدورا له ، فإنما أراد شيخنا الاستشهاد بالكتابة المقدورة للكاتب ، ولكن من حيث يدل تنضيد الأبنية وتألفها على مقدورات الباني ، فرض الكلام فيه إيضاحا وكشفا وتقريبا من الأفهام ، فهذا وجه . ومن أصحابنا من سلك طريقة أخرى فقال : ما قصد شيخنا الكلام في فاعل متعين ولا بان متخصص فيظن ، به أنه قدر الواحد منا مقتدرا على أفعال بائنة عن محل القدرة ، وإنما غرضه أن يوضح افتقار البناء إلى الباني على الجملة . وإنما انتحى في هذا أسد المسالك وأحسن المناهج . فإن الأفعال عند معظم الدهرية ، القائلين بالطبائع والقوى تنقسم إلى : الاختيارية والطبيعية . فالاختيارية كالبناء ، والكتابة ، والنسج ، ونحوها . والطبيعية كنشوء الحيوان ونماء الناميات ، وما يطرأ على الجواهر في الانقلابات والاستحالات من حالات إلى حالات ، نحو استحالة العصير خمر [ ا ] ، والبيضة علقة ثم فرخا ، والنطفة علقة ، ثم مضغة ، ثم لحما . ومن أصلهم أن الاختياري لا يقع طبيعيا ، فغرض شيخنا الكلام فيما تقدره الدهرية من