عبد الملك الجويني

120

الشامل في أصول الدين

فالذي صار إليه أهل الحق : أن الواجب من الأحكام لا يمتنع تعليله لوجوبه ، كما أن الجائز لا يمتنع تعليله لجوازه . وذهبت المعتزلة إلى منع تعليل الواجب من الأحكام . وسنبسط القول في ذلك عند ذكرنا ما يعلل ، وما لا يعلل في الصفات ، إن شاء اللّه . فخرج مما قدمناه أن الواجب لا يتعلق بالفاعل والمخصص باتفاق أرباب الألباب ، وإن تعلق الواجب من الأحكام بالعلل عند أهل الحق ، فقد وضح اندفاع السؤال ، إذ الدلالة مفروضة في تقابل الجائزين . وإن استفصل الخصم بين الواجب في حكم المخصص وبين الواجب في حكم العلة ، أحلنا إيضاح الفصل على أبواب العلل . فهذا لو أراد الخصم إلزامنا عدما واجبا . والعدم الواجب عدم الأعراض عند الصائرين إلى استحالة بقائها . وإن ألزمنا عدما جائزا ، وهو عدم ما يجوز بقاؤه ، فجواز البقاء مختص بالجواهر . فإذا قال الملزم : عدم الجوهر بعد وجوده جائز ، واستمرار الوجود أيضا ، فإذا تحقق العدم لم يخل : إما أن يكون بتخصيص المخصص ، وإما أن يتحقق من غير تخصيص . فإن زعم أنه يتحقق من غير تخصيص ، فقد نقضتم الدلالة على افتقار الحدث إلى المخصص ، إذ معولكم فيها على أن الجائز لا يتحقق دون تخصيص ، وقد التزمتم عدم جائز من غير تخصيص . قالوا : وإن زعمتم أن العدم يثبت بتخصيص ، كان ذلك باطلا على قضية أصلكم ، فإن العدم نفي محض من كل وجه ، وليس بموصوف في نفسه ، ولا صفة لغيره . فإذا لم يتعلق فيه وجه ثبوت ، فلا معنى لتعلق التخصيص به ، إذ لا بد للتخصيص من مخصص ، والمخصص ثابت والمعدوم منتفي . فالجواب عما قالوه من أوجه : أحدها أن نقول : إنما يتحقق العدم الجائز بمعدم ، كما يتحقق الوجود الجائز بموجد ، وهذه طريقة سلكها القاضي رضي اللّه عنه ، لما اختار أن الباقي باق لنفسه ، لا ببقاء يزيد عليه . وقد صار غيره من المشايخ إلى أن الباقي باق ببقاء ، وإنما يتحقق العدم عند هؤلاء بقطع البقاء عن الجوهر . فقيل للقاضي لما اختار صرف البقاء إلى نفس الوجود : كيف يتحقق عدم الباقي عندك ؟ فذكر عند توجيهه السؤال على نفسه طرقا في الانفصال : أحدها : أنه يعدم بإعدام اللّه إياه ، ولا يمتنع أن يكون العدم مرادا ، مقصودا ، مقدورا كما أنه معلوم . فإن سلكنا هذه الطريقة ، اندفع السؤال على الدلالة ، وبقيت المناقشة في أن العدم كيف يكون مخصصا وهو نفي محض . وهذا خروج عن المسألة ، وتعرض لما يتعلق بها .