عبد الملك الجويني
121
الشامل في أصول الدين
على أنا نقول : لا معنى للتخصيص إلا الإرادة ، ولا يمتنع كون العدم مرادا . ولا محصول لقول السائل إن المخصص ينبئ عن صفة الثبوت . فإنه لا معنى للمخصص إلا كونه مرادا . وكون المراد مرادا لا يقتضي ثبوته ، كما أن [ كون ] المعلوم معلوما لا يقتضي ثبوته ، إذ المعلوم ينقسم إلى : وجود وعدم ، وكذلك المراد . فهذا لو سلكنا طريقة القاضي . وإن قلنا بما قال سائر المشايخ ، وصرنا إلى أن الجوهر إنما يعدم بأن لا يخلق له البقاء ، فوجه الانفصال عن السؤال على ذلك بطريقين : أحدهما : أن عدم الجوهر يتعلق بالمخصص من وجهين : فإنه إن أراد دوام وجوده ، يخلق له البقاء تواليا وتتابعا . وإن أراد أن يعدم ، لم يخلق له البقاء ، فقد تعلق بقصده من وجه . وليس غرضنا في ما قدمناه من الدلالة تفصيل وجه التعلق بالمخصص ، وإنما غرضنا إثبات تعلقه على الجملة ، وهذا المعنى متحقق في العدم الطارئ . والوجه الآخر من الجواب أن نقول : العدم إنما هو انقطاع الوجود ، وأحلناه على انقطاع شرط استمرار الوجود وكأن الانقطاع معلق بانقطاع شرط ، والوجود ابتداء ثبوت ، فاقتضى في حكم التخصيص ثبوتا ، وهذا واضح لا خفاء به . ثم إن السائل ضمن سؤاله الجواب عنه حيث قال : العدم ليس بثبوت ، فاستحال تعلق التخصص به . فيقال له : عين ما ذكرته يوضح الانفصال عن السؤال ، فإن الوجود ثبوت على التحقيق ، وهو جائز في نفسه ، فجاز أن يفتقر إلى مخصص . والعدم على زعمك نفي محض - وقد اعترفت باستحالة تعلق التخصيص به من حيث كان نفيا من كل وجه - فقد جمع السائل بين إلزام العدم على الوجود والفرق بينهما ، وكفانا مئونة الجواب . وهذا كله فيه ، إذا ألزمونا العدم بعد سبق الوجود ، وإن ألزمونا العدم قبل الوجود ، قسمنا الكلام عليهم وقلنا : إن ألزمتمونا عدم العالم في الأزل ، فهو واجب . ولا يتعلق الواجب بالمخصص كما سبق تقديره . وإن ألزمتمونا العدم فيما لا يزال بدلا عن الوجود بالقصد والتخصيص ، وإن ما أراد اللّه وجوده في وقت ، يوجد فيه على قضية إرادته ومشيئته ، وما لم يوجد ، فقد أراد اللّه أن لا يوجد ، فلم يوجد لإرادة اللّه . ويتضح ذلك بأن نعلم أن من أصل أهل الحق أن إرادة اللّه قديمة ، والإرادة القديمة تتعلق بكل ما يصح أن يكون مرادا ، والعدم يصح أن يراد . فلزم على موجب ذلك ، تعلق العدم فيما لا يزال بقضية المشيئة . ثم نقول : إنما فرضنا الدلالة في ثبوت وجود لجائز لم يكن فكان ، فنظيره عدم طار على وجود ، فأما العدم قبل الوجود ، فليس حكما متجددا تحقق بعد أن لم يتحقق . ونظير استمرار العدم استمرار الوجود في الباقي ، ثم استمرار الوجود لا يكون في حكم أول الوجود ، إذ القدرة تتعلق بالوجود في أول حاله ، ولا تتعلق به في استمراره ، فاندفع ما