عبد الملك الجويني

119

الشامل في أصول الدين

وتخصيص من مخصص كان مباهتا . وهذا القسم لم يعتقده معتقد ، ولم ينتحله منتحل ، ولكن جرى الرسم باستيعاب الأقسام في الكلام ، وإن لم يقل ببعضها أحد . وسلك بعض المحققين طريقة أخرى ، ورام إبطال هذا القسم بالدليل فقال : تجويز ثبوت حكم من غير مقتض يجر إلى القول بنفي الأعراض ، إذ لو جاز ثبوت الوجود بدلا عن العدم من غير مقتضى ، جاز ثبوت الأعراض ، [ و ] التحرك بدلا عن التسكين من غير مقتض ، وقد سبق في إثبات الأعراض ما فيه مقنع . وقال الأستاذ أبو إسحاق : لو حدث الحادث من غير محله ، ولم يتحقق منع في سائر الأوقات ، وهو مما يقع لا عن مقتض ولا عن قصد ، وجب أن يقع لا محالة عند ارتفاع الموانع ، فإن ما يثبت من غير اقتضاء ، كان واجب الثبوت كالقديم . وسلك بعض الأئمة طريقة لا نرتضيها فقال : انتفاء العلة والمقتضى لا يختص بوقت دون وقت ، فلو وجد الحادث لا لعلة في وقت ، لوجب قيامه قبله ، إذ نفي العلة متحقق في الوقتين ، وهذا فيه نظر . فإن نافي العلة غير معلل بنفي العلل ، حتى يقال له : لو وجد لأجل نفي العلة في وقت ، لوجد مهما انتفت العلة . وقد أوردنا هذا السؤال والقدح فيه في إثبات الأعراض ، فالأولى الاجتزاء بما قدمناه . سؤال [ وجوب افتقار العدم إلى معدوم ] فإن قال قائل : لو وجب افتقار الحدوث إلى حدث للتقسيم الذي قدمتموه ، وجب افتقار العدم إلى معدم . الجواب أن نقول : ما ألزمتمونا من العدم لا تخلون فيه : إما أن تعنوا به ما بعد سبق الوجود ، وإما أن تلزموا العدم قبل تحقق الوجود . فإن ألزمتمونا العدم بعد سبق الوجود ، فتفصيل القول فيه أن نقول : الموجود إذا عدم لم يخل عدمه من أحد أمرين : إما أن يكون واجبا أو جائزا . فإن كان العدم واجبا ، فلا يفتقر إلى مخصص ، وليس يلزم ذلك على طرد الدلالة . فإنا فرضنا الكلام في ثبوت حكم جائز ، فلا يلزم عليه ما يجب إذ الواجب استقل بوجوبه عن مخصص ، ولذلك يوجب استغناء القديم سبحانه وتعالى في وجوده عن مخصص من حيث وجب له الوجود . والعقلاء أجمعوا على أن الواجب لا يتعلق بالفاعل ، وإنما يتعلق بالفاعل والمخصص ما كان جائزا . واختلفوا في أن الحكم الموجب عن علة هل ينقسم إلى واجب وجائز ؟