عبد الملك الجويني
118
الشامل في أصول الدين
وقيل له : أهو من الأعراض القائمة بالمحال ، أو عبّرت به عن مخصص ؟ فإن زعم أنه عبّر به عن مخصص ، فقد ارتفع الخلاف في المعنى ورجع التناقش والتنازع في تسمية المخصص معنى ، وهذا سهل المدرك . وإن زعم أن المعنى المقتضى لحدوث الحادث عرض من الأعراض ، كان ذلك باطلا من أوجه : أحدها أن ذلك المعنى لا يخلو : إما أن يكون قديما أو حادثا . فإن كان قديما لزم ثبوت موجبه قديما ، فإن الموجب لا يتقدم على موجبه . وإن كان ذلك المعنى حادثا ، وجب أن يفتقر إلى معنى آخر يقتضي له الحدث ، ثم يتسلسل القول ، ويفضي إلى إثبات حوادث لا نهاية لها . والذي يوضح ذلك : أن المعنى إنما يوجب الحكم لما قام به . فلو أمنتم القول بحدوث الجوهر لمعنى يقوم به ، لما صح القول بحدوث الأعراض ، إذ لا تقوم بها الأعراض ، وقد أوضحنا فيما قدمنا ، حدث الأعراض والجواهر جميعا . وإن زعم السائل أن الوجود إنما يثبت لجوازه ، كان ذلك باطلا من أوجه : أحدها : أن الجواز يتحقق في استمرار العدم تحققه في الوجود . فلئن ثبت الوجود لجوازه ، وجب أن يتحقق العدم لجوازه أيضا ، إذ وجه الجواز غير مختلف فيهما . ويلزم من قول ذلك ، ثبوت الوجود من حيث جاز ، واستمرار العدم من حيث جاز ، فيوجد غير ما يعدم . والذي يوضح فساد ذلك : أن جواز الوجود يعم جميع الحوادث ، فلو اقتضى جواز وجودا ، للزم وجود جملة الحوادث من حيث عمها حكم الجواز . وأيضا فإن جواز الوجود لا يختص بوقت دون وقت ، والوجود يختص بوقت ، فبطل تعليل مختص بوقت بحكم يعم الأوقات . وإن قال الخصم : الحدوث ثبت لا لمقتض ولا لعلة ، فعند ذلك تحزب المحققون حزبين : فصار المعظم منهم إلى نسبة هذا القائل إلى جحد البداءة والضرورات . فإنه مهما سلم السائل جواز وجود الحادث ، وجواز استمرار العدم بدلا من الحدوث ، واعترف بتماثل الأوقات وعدم تأثيرها في الوجود والعدم ، ثم قال مع ذلك بثبوت الوجود في وقت مخصوص من غير مقتض ومخصص وموجب وتأثير مؤثر ، فقد جحد الضرورة . ويتضح كشف ذلك عليه بالتعرض لبدائع الصنع ، والمحكمات من الآيات في الأرضين والسماوات . فمن سوغ حدوث السماء وتكونها بعد أن لم تكن ، وتخصصها بما عليه من الحركات المتناسبة ، والصفات البديعة ، ثم قال : اتفق كونها في وقت من غير اقتضاء من مقتض ،