عبد الملك الجويني
117
الشامل في أصول الدين
ومن زعم أن الذي يتحقق عدمه سابقا إلى غير أول ، ثم فرض الكلام في وقت يماثل ما قبله من الأوقات ويشاكل ما بعده منها ، وقال : كان العدم جائزا في الوقت الذي قبل هذا ، ثم استحال العدم في هذا الوقت مع تماثل الوقتين ، وعدم تأثيرهما فيما يتحقق فيهما من عدم أو وجود ، ولم يثبت موجب مقتض لم يكن ثابتا قبل ، ومع هذه القواعد يستحيل استمرار العدم في الوقت المعين ، فقد خرج عن ضرورة العقل . وسبيل ادعاء استمرار العدم كسبيل ادعاء استمرار الوجود للقديم . والمصير إلى وجوب وجود ما ثبت عدمه ، كالمصير إلى وجوب عدم القديم في وقت مخصوص ، وقد أوضحنا فيما سبق أن الصائر إلى وجوب عدم القديم ، الذاهب إلى استحالة استمرار وجوده من غير طروء مقتض يقتضي العدم ، خارج عن المعقول . فاستبان بما قلناه بطلان قول من يقول إن الحادث واجب الوجود . وإذا ثبت جواز وجود الحادث ، فمن مقتضاه جواز عدمه بدلا عن وجوده . فإذا كان العدم والوجود جميعا جائزين ، ولم يكن أحدهما أولى من الآخر ، فإذا تحقق الوجود ، لم يخل : إما أن يتحقق لنفسه أو لمعنى زائد عليه قائم به ، أو لجوازه ، أو لتخصيص مخصص ، ولا للنفس ولا للجواز . ويبطل المصير إلى أن الوجود يثبت للنفس لأوجه : منها أن الوجود لو تحقق لنفس الحادث لما اختص بذلك آحاد من جنس ، ولوجب اطراد هذا الحكم في جميع الجنس لتساوي الأنفس المتماثلة في الصفات . وهذا كما أن الجوهر لما تحيز لنفسه ، وجب أن يتحيز كل جوهر . فلما علمنا تقدم بعض الجواهر وتأخر بعضها ، وضح بذلك بطلان المصير إلى أن ما يوجد منها يوجد لنفسه . والذي يوضح ذلك أن إضافة النفس إلى وقت كإضافته إلى مثله ، فلزم ثبوت الوجود للنفس في جميع الأوقات . وهذا يفضي إلى القول بقدم الحادث . وتحقيق القول في ذلك : أن قول القائل : حدث الشيء لنفسه لا يخلو إما أن يصدر عن إثبات نفس قبل الحدث ، أو يصدر عن نفي النفس قبل الحدث . فإن كان الذاهب إلى هذا السؤال ممن يعتقد أن المعدوم قبل حدثه نفسه ، ثم قال مع هذا المعتقد : أنه يحدث لنفسه ، فهو إفصاح منه بالتناقض . فإنه لو حدث لنفسه ، لحدث مهما تحققت نفسه ، وقد تحقق كونه نفسا قبل حدوثه ، وهذا لا خفاء به . وإن كان السائل يعتقد أن المعدوم ليس بنفس ، ويصير نفسا فيقال له : لم صار نفسا ولم يكن نفسا ؟ فإن قال : صار نفسا لنفسه ، كان ذلك من لغو الكلام ، فإن مصيره نفسا عين كونه نفسا ، فآل محصول الكلام إلى أنه إنما صار نفسا لأنه صار نفسا ، وهذا خارج عن قضايا التعليل وموجب اقتضاء المقتضيات ، ويؤول محصول هذا القسم إلى أن الحادث حدث لا لعلة ولا لمقتض ، فافهموه . فإن قال قائل : إن الحادث حدث لمعنى أوجب حدوثه ، روجع في ذلك المعنى ،