عبد الملك الجويني
110
الشامل في أصول الدين
ومما يوضح ما قلناه اتفاق أرباب الأصول على أن كل لفظة وردت في كتاب اللّه ولم تقم دلالة على التجوز بها ، فهي مجراة على حقيقتها . وعلى من يدعي التجوز إقامة الدليل . وإنما خصصنا تمسكنا بظاهر الكتاب ، ليكون ذلك وازعا للخصم في دعوى التجوز مع العجز عن نصب الدلالة ، فإن المكتفي في الاستدلال بالجاري في تجاوز أهل اللغات ، لا يعدم من يدعي التجوز ويتعسف بدعواه بغير إيضاح بدليل . فإن قال قائل : لو صح ما قلتموه ، للزم منه أن يكون الشيء حادثا قديما ، وهذا متناقض . إذ العقلاء كما اعتقدوا تناقض الوجود والعدم ، اعتقدوا تناقض الحدوث والقدم . وهذا الذي قالوه مجرد تشنيع وتشغيب لا طائل تحته . وسبيل مفاتحتهم بالكلام أن يقال : تزعمون أن القدم يناقض الحدوث ، ويرجع التناقض إلى ذاتي اللفظين ونفسيهما ، أم تزعمون أن التناقض يرجع إلى معنيهما ؟ ويستحيل ادعاء التناقض بين نفسي اللفظين ، فإذا وجب صرف التناقض إلى المعنيين ، فلا تناقض بين معنى القديم على ما قلناه وبين معنى الحادث ، فإن القديم هو المتقدم ، والحادث هو الذي له أول ، ولا مناقضة بين هذين المعنيين . وإنما تتحقق المناقضة إذا ثبتت الأولية للشيء ، ونفيت عنه الأولية حتى يقال : إن الشيء له [ أول ] « 1 » ولا أول له ، فلا تستقيم لهم دعوى التناقض إلا بعد أن يثبتوا أن القديم هو الذي لا أول لوجوده ، وهذا ما فيه التنازع . وإن سلكوا مسلكا آخر في التشغيب وقالوا : فيما قلتموه القول بقدم العالم ، فإن القديم عندكم هو المتقادم ، وهذا متحقق في جواهر العالم ، وفي الافصاح بذلك موافقة الدهرية . قلنا : هذا لو كان الخلاف مع الدهرية في إطلاق العبارات وتتبع التسميات ، وليس الأمر كذلك . فإن المطلب من محاجتهم إبطال ما اعتقدوه وانطووا عليه في نفي الأولية . وليس الغرض إثبات اللغات وإطلاق العبارات ، إذ ربما يعرض الخلاف على من لا يعرف لغة العرب من الدهرية . فاندفع ما ألزمتموه ، واستبان أنه مجرد دعوى . فإن قال قائل : لو رجع القدم إلى التقدم في الوجود ، لزم منه أن يقال : إذا تعاقب حادثان في حالتين فالحادث في الحالة الأولى يتصف بكونه قديما في الحالة الثانية ، فإنه تقدم على الحادث الثاني . وهذا الذي ذكروه لا محصول له . فإن مرجعنا إلى إثبات ما رمناه إلى اللغات وأهلها ، وقد رأيناهم يسمون العتيق المتقادم ، الذي امتدت مدة بقائه : قديما ،
--> ( 1 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق .