عبد الملك الجويني
111
الشامل في أصول الدين
ولا يسمون الموجود في حالتين لطيفتين قديما ، فاتبعنا اللغة نفيا وإثباتا ؛ ولم يثبت هذا الاسم بقضية عقلية ، فينفصل عما يلزم عليه . على أن القديم على بناء فعيل ، وهو من أبنية المبالغة ؛ فاقتضى ذلك مبالغة في التقدم ، فهذا وجه الكلام على من قال : القديم لا أول لوجوده . وأما من زعم أن القديم من أسماء الإضافة فيقال له : لم زعمت ذلك ؛ وما دليلك عليه ؟ ولا سبيل إلى إثبات اللغات عقلا ؛ ويطالب بإظهار دلالة عقلية ، ولا يشهد لما صار إليه موجب لغة . ولو ساغ المصير إلى أن القديم من أسماء الإضافة ، ولا يتحقق نقيضه ، جاز أن يقال : الحيّ ، والقادر ، والعالم من أسماء الإضافة ، فلا يتحقق حيّ ، قادر ، عالم إلا عند تحقق ميت ، وعاجز ؛ وجاهل . وكذلك لو قال قائل : إن العدم مضاف إلى الوجود ، فلا يتحقق عدم إلا عن وجود سابق ، ويلزم من ذلك أن لا يتحقق قبل حدوث العالم . ومما يوضح فساد ما قاله معمر بن عباد أن من لا ينطوي معتقده على قديم ، وعلم أنه حدث ما لم يكن ، فيعلم قطعا أن الذي وجد عن عدم ، فقد حدث . وليس من شرط علمه بحدثه ، أن يخطر له قدم قديم . ومنكر ذلك جاحد الضرورة ، والمعترف به ناقض لمذهبه في المصير إلى أن الحدث من أسماء الإضافة . وأما من زعم أن القديم هو الإله ، وحقيقة الإلهية القدم ، فوجه الرد عليهم من أوجه : أحدها أن ننصب الأدلة على إثبات الصفات القديمة ، وفي إثباتها إبطال هذا الأصل . فإن الدليل الدال على ثبوتها - مع استحالة كونها آلهة - يوضح بطلان قول من قال : إن القديم هو الإله ، ونستقصي الأدلة إن شاء اللّه في كتاب « الصفات » . والوجه الآخر من الرد أن نقول : الإلهية يصح إطلاقها صفة للّه متعلقة بالبرّية والخليقة ، إذ يحسن أن نقول : إله الخلق ( ولا يحسن أن نقول قديم الخلق ) على إرادة المعنى الأول . فاستبان أن اللفظين لا يجريان مجرى واحدا . ومن الدليل على فساد ما قالوه أن نقول : معنى القديم يرجع إلى إثبات وجود دائم مع نفي الأولية ، فإذا ثبت رجوع القدم إلى الوجود ، فيجب أن يشارك في الإلهية من شارك في الوجود . وحتى يقال : الباري إله لم يزل ، من حيث كان موجودا لم يزل ، والحادث إله عن أول ، من حيث كان موجودا عن أول ، والباري إله واجب الإلهية ، من حيث كان واجب الوجود ، والحادث ( جائز الإلهية من حيث كان ) جائز الوجود . وتحقيق القول في ذلك : أن القدم ينبئ عن الوجود ونفي الأولية ، فيستحيل صرف معنى الإلهية إلى نفي الأولية ، فإن الإلهية صفة ثابتة ، فاستحال تحقيقها بنفي .