عبد الملك الجويني
109
الشامل في أصول الدين
وذهب معمر بن عباد « 1 » إلى أن القديم من أسماء الإضافة ؛ وكذلك الحادث . وزعم أن وصف القديم لا يتحقق للباري قبل حدوث الحادثات ، ولو قدر مقدر موجودا له أول ، ولم يعتقد قديما ، لم يصح وصف الحدوث في معتقده ، وينزل القدم والحدوث منزلة الجهات ، فلا يتحقق فوق ولا تحت ، وكذلك القول في سائر الجهات . وذهب المتأخرون من المعتزلة إلى أن القديم هو الإله ، وأول من أحدث ذلك الجبائي . فإنه لما استدل عند نفسه على نفي الصفات بقوله : إن الباري سبحانه وتعالى قديم ، وقدمه أخص وصفه ، فلو ثبتت صفة قديمة لشاركته في أخص الوصف ، والاشتراك في الأخص يوجب الاشتراك في سائر الأوصاف . فقيل له - في جملة ما اعترض عليه به - : إذا زعمت أن أخص أوصاف الإله قدمه ، فقل إن حقيقة الإله أنه قديم وحقيقة الإلهية القدم . فركب ما ألزم وقال : حقيقة الإلهية القدم ، وهذا مذهب لم يسبق إليه . والذي اختاره شيخنا رضي اللّه عنه في القديم : هو المتقدم في الوجود على شريطة المبالغة ، وليس يتخصص بالذي لا أول لوجوده ، بل يطلق عليه ، ويطلق أيضا على المتقدم المتقادم من الحوادث . والذي اختاره هو الأصح ، والدليل عليه : أن الذي تنازعا فيه كلمة لغوية ، فالمصير في معناها ومقتضاها إلى أهل اللغة وأرباب اللسان ، وقد ظهر واشتهر منهم تسمية ما تقادم وعتق قديما . ومنه قولهم : دار قديمة ، وعز قديم ، وقال تعالى في محكم كتابه : حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [ يس : 39 ] . وقال عز من قائل : هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ [ الأحقاف : 11 ] . فاستبان بما قلناه جواز تسمية ما له أول قديما ، ولم يبق للخصم بعد ذلك إلا أن يقول : ما ذكرتموه تجوز وتوسع ، وليس بمجرى على وضع اللغة وحقيقتها . وسبيل الانفصال عن ذلك أن نقول : كل ما ظهر استعماله ، ولم يعد من الشواذ ، ولم يكن من خبر الشوارد ، ولم يثبت في اللغة منقولا متجوزا به عن أصل سائر في اللغة ، فيجب حمله على الحقيقة ، وعلى مدعى التجوز الدليل . إذ لو ساغ ادعاء التجوز مع ظهور الاستعمال وعدم الدليل ، لجاز سلوك هذا المسلك في جملة حقائق اللغة . ومن أقرب الشواهد إلى ما نحن فيه قول القائل : هذا باق ، فهذا ينطلق على الحادث المفتتح وجوده ، المعرض للعدم . فلو قال قائل : إن الباقي إذا أطلق على ما كان عرضة للزوال ، كان مجازا ، لم يكن أسعد حالا في القديم ممن أعتقد ذلك في الباقي .
--> ( 1 ) معمر بن عباد السلمي ، وهو من أعظم القدرية فرية في تدقيق القول بنفي الصفات ، ونفي القدر خيره وشره من اللّه تعالى ، والتفكير والتضليل على ذلك ، وانفرد عن أصحابه بمسائل . توفي سنة 220 ه . الملل والنحل للشهرستاني ص 52 .