ابن قيم الجوزية
98
الروح
نجده بحاله ، ونجد مساحته على حد ما حفرناها ، لم يزد ولم ينقص ، وكيف يسع ذلك اللحد الضيق له وللملائكة وللصورة التي تؤنسه أو توحشه ؟ قال إخوانهم من أهل البدع والضلال ، وكل حديث يخالف مقتضى القول والحس يقطع بتخطئة قائلة ، قالوا : ونحن نرى المصلوب على خشبة مدة طويلة لا يسأل ولا يجيب ولا يتحرك ولا يتوقد جسمه نارا ، ومن افترسته السباع ونهشته الطيور وتفرقت أجزاؤه في أجواف السباع وحواصل الطيور وبطون الحيتان ومدارج الرياح كيف تسأل أجزاؤه مع تفرقها ، وكيف يتصور مسألة الملكين لمن هذا وصفه ، وكيف يصير القبر على هذا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ، وكيف يضيق عليه حتى تلتئمه أضلاعه ، ونحن نذكر أمورا يعلم بها الجواب . فصل [ أخبار الرسل ] الأمر الأول : أن يعلم أن الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم لم يخبروا بما تحيله العقول وتقطع باستحالته ، بل أخبارهم قسمان : . ( أحدهما ) ما تشهد به العقول والفطر . ( والثاني ) ما لا تدركه العقول بمجردها كالغيوب التي أخبروا بها عن تفاصيل البرزخ واليوم الآخر وتفاصيل الثواب والعقاب ، ولا يكون خبرهم محالا في العقول أصلا ، وكل خبر يظن أن العقل يحيله فلا يخلو من أحد أمرين ، إما أن يكون الخبر كذبا عليهم ، أو يكون ذلك العقل فاسدا ، وهو شبهة خيالية يظن صاحبها أنها معقولة صريحة قال تعالى : وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ « 1 » وقال تعالى : فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى « 2 » . وقال تعالى : وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ « 3 » والنفوس لا تفرح بالمحال ، وقال تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ . قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا « 4 » والمحال لا يشفى ولا يحصل به هدى ولا رحمة ولا يفرح به . فهذا
--> ( 1 ) سورة سبأ ، الآية 6 . ( 2 ) سورة الرعد ، الآية 29 . ( 3 ) سورة الرعد ، الآية 26 . ( 4 ) سورة يونس ، الآية 57 و 58 .