ابن قيم الجوزية
99
الروح
أمر من لم يستقر في قلبه خير ولم يثبت له على الإسلام قدم وكان أحسن أحواله الحيرة والشك . فصل [ مراد الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم ] الأمر الثاني : أن يفهم عن الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم مراده غير علو ولا تقصير ، فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله ، ولا يقصر به عن مراده ، وما قصده من الهدى والبيان . وقد حصل بإهمال ذلك ، والعدل عنه من الضلال ، والعدول عن الصواب ما لا يعلمه ، إلا اللّه ، بل سوء الفهم عن اللّه ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام ، بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع ، ولا سيما أن أضيف إليه سوء القصد ، فيتفق سوء الفهم في بعض الأشياء من المتبوع مع حسن قصده ، وسوء القصد من التابع في محنة الدين وأهله واللّه المستعان . وهل أوقع القدرية « 1 » والمرجئة « 2 » والخوارج « 3 » والمعتزلة « 4 » والجهمية « 5 »
--> ( 1 ) هم الذين أنكروا القدر وقالوا أن الإنسان هو من يخلق أفعاله . ( 2 ) منهم من زعم أن الإيمان هو معرفة اللّه عز وجل ومحبته والخضوع إليه بالقلب ، والإقرار أنه واحد لا مثيل له ، ومعرفة الرسل وجميع ما جاء من عند اللّه ، وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب والمحبة للّه ولرسوله والتعظيم لهما والخوف منهما والعمل بالجوارح ليس بإيمان ، ويزعمون أن الكفر هو الجهل باللّه . ومنهم من يزعم أن الإيمان هو المعرفة باللّه والخضوع له وترك الاستكبار عليه ، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن ، ومنهم من زعم أن الإيمان هو المعرفة باللّه ورسله وفرائضه والخضوع له بجميع ذلك ، والإقرار باللسان ، ومنهم الغيلانية أتباع غيلان الدمشقي الذي رمي بالإرجاء كما رمي فأفكار أخرى . ( 3 ) هم الذين خرجوا على الإمام علي كرّم اللّه وجهه قبل التحكيم مع معاوية . ( 4 ) ذكر الشهرستاني في المشهور في سبب إطلاق لقب المعتزلة قال : دخل أحدهم على الحسن البصري وهو يدرس في مسجد البصرة ، فقال : يا إمام الدين ، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر ، والكبائر عندهم لا تضر مع الإيمان ، بل العمل في فكرهم ليس ركنا من الإيمان ، ولا يضر مع الإيمان معصية ، كما لا ينفع مع الكفر طاعة ، وهم مرجئة الأمة ، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا ؟ ففكر الحسن البصري ، وقبل أن يجيب تكلم واصل فقال : أنا لا أقول أن صاحب الكبيرة مؤمن مطلق ولا كافر ، ثم قام واصل واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به جماعة ممن ترك مجلس الحسن البصري ، ولما رأى الحسن ذلك نادى بأعلى صوته : اعتزل عنا واصل ، اعتزل عنا واصل ، فسارت هذه التسمية في المجتمعات . ( 5 ) ينتسبون إلى الجهم بن صفوان مولى بني راسب : وآراء الجهم ترتد إلى ثلاث آيات قرآنية أخذ منها -