ابن قيم الجوزية

85

الروح

بني عبيد وغيرهم الذين بأرض مصر والشام ، فإن أصحاب الخيل يقصدون قبورهم لذلك كما يقصدون قبور اليهود والنصارى ، قال : فإذا سمعت الخيل عذاب القبر أحدث لها ذلك فزعا وحرارة تذهب بالمغل . ( وقد قال ) عبد الحق الإشبيلي « 1 » ، حدثني الفقيه أبو الحكم بن برجان وكان من أهل العلم والعمل أنهم دفنوا ميتا بقريتهم في شرف أشبيلية « 2 » ، فلما فرغوا من دفنه قعدوا ناحية يتحدثون ، ودابة ترعى قريبا منهم ، فإذا بالدابة قد أقبلت مسرعة إلى القبر ، فجعلت أذنها عليه كأنها تسمع ثم ولت فارة ، ثم عادت إلى القبر فجعلت أذنها عليها كأنها تسمع ثم ولت فارة ، فعلت ذلك مرة بعد أخرى . قال أبو الحكم : فذكرت عذاب القبر وقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم « أنهم ليعذبون عذابا تسمعه البهائم » . ذكر لنا هذه الحكاية ونحن نسمع عليه كتاب مسلم لما انتهى القارئ إلى قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم « إنهم يعذبون عذابا تسمعه البهائم » . وهذا السماع واقع على أصوات المعذبين ، قال هناد بن السري « 3 » في كتاب ( الزهد ) حدثنا وكيع عن الأعمش عن شقيق عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : دخلت عليّ يهودية ، فذكرت عذاب القبر ، فكذبتها ، فدخل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم علي ، فذكرت ذلك له ، فقال : « والذي نفسي بيده أنهم ليعذبون في قبورهم حتى تسمع البهائم أصواتهم » .

--> ( 1 ) هو عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد اللّه أبو محمد الأزدي الإشبيلي الحافظ ويعرف بابن الخراط أحد الأعلام ومؤلف الأحكام الكبرى والصغرى والجمع بين الصحيحين وكتاب الغريبين في اللغة ، وكتاب الجمع بين السنّة وغير ذلك ، روى عن أبي الحسن شريح وجماعة ، نزل بجارية وولي خطابتها وبها توفي بعد محنة لحقته من الدولة ، وكان مع جلالته في العلم قانعا متطلعا موصوفا بالصلاح والورع ولزوم السنّة ، وكانت وفاته في ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة عن إحدى وسبعين سنة . ( 2 ) أي في أعالي إشبيلية . ( 3 ) هو هناد بن السري الحافظ الزاهد القدوة أبو السري الدارمي الكوفي صاحب كتاب الزهد ، روى عن شريك وإسماعيل بن عياش وطبقتهما فأكثر ، وجمع وصنف وروى عنه أصحاب الكتاب الستة إلا البخاري ، توفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين .