ابن قيم الجوزية
82
الروح
فصل [ مذهب السلف في عذاب الميت ] فإذا عرفت هذه الأقوال الباطلة ، فلتعلم أن مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب ، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة ، وأنها تتصل بالبدن أحيانا ويحصل له معها النعيم أو العذاب ، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد قاموا من قبورهم لرب العالمين ، ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى . ونحن نثبت ما ذكرناه . فصل [ عذاب القبر ] فأما أحاديث عذاب القبر ومسألة منكر ونكير فكثيرة متواترة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، كما في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم مر بقبرين فقال : « إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة » ثم دعا بجريدة رطبة فشقها نصفين فقال : « لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا » « 1 » . ( وفي صحيح مسلم ) عن زيد بن ثابت قال : بينا النبي صلى اللّه عليه وآله
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في أبواب الطهارة باب ما جاء في التشديد في البول برقم ( 70 ) عن طاوس عن ابن عباس : أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم مر على قبرين ، فقال : إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ، أما هذا فكان لا يستتر من بوله ، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة » . وأخرجه ابن ماجة في كتاب الطهارة باب التشديد في البول برقم 347 عن طاوس عن ابن عباس قال : « مر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بقبرين جديدين فقال : « إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله ، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة » . وفي لفظ البخاري زيادة عما ورد : « ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة ، قالوا يا رسول اللّه لم فعلت ؟ قال : « لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا » . وفي ذلك بيان منه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن بقاء النداوة في هذين النصفين يكونان سببا في تخفيف العذاب عنهما ، وهذا من بركته صلى اللّه عليه وآله وسلم وليس لمعنى أن كل رطب أو جريد أو شجر يكونوا سببا في تخفيف العذاب عمن يعذب في القبر لهذين السببين أو غيرهما ، ولقد أوضح صلى اللّه عليه وآله وسلم في أحاديث أخرى من أن عدم الاستنزاه من البول يكون سببا في عذاب القبر ، فأخرج ابن ماجة عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « أكثر عذاب القبر من البول » وفي حديث آخر أخرجه ابن ماجة عن بحر بن مرار عن جده أبي بكرة قال : مر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بقبرين فقال : « إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فيعذب في البول ، وأما الآخر فيعذب في الغيبة » .