ابن قيم الجوزية

83

الروح

وسلم في حائط لبني النجار على بغلته ونحن معه ، إذ حادت « 1 » به فكادت تلقيه ، فإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة فقال : « من يعرف أصحاب هذه الأقبر » ؟ فقال رجل : أنا ، قال : « فمتى مات هؤلاء » ؟ قال : ماتوا في الإشراك ، فقال : « إن هذه الأمة تبتلي « 2 » في قبورها ، فلولا أن لا تدافنوا « 3 » لدعوت اللّه أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه » « 4 » ثم أقبل علينا بوجهه فقال : « تعوذوا باللّه من عذاب النار » ، قالوا : نعوذ باللّه من عذاب النار ، فقال : « تعوذوا باللّه من عذاب القبر » ، قالوا : نعوذ باللّه من عذاب القبر . قال : « تعوذوا باللّه من الفتن ما ظهر منها وما بطن » ، قالوا : نعوذ باللّه من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، قال : « تعوذوا باللّه من فتنة الدجال » ، قالوا نعوذ باللّه من فتنة الدجال « 5 » . ( وفي صحيح مسلم ) وجميع السنن عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ باللّه من أربع : من عذاب جهم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا « 6 » والممات ، ومن فتنة المسيح الدجال » « 7 » . ( وفي صحيح مسلم ) أيضا وغيره عن ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن ، « اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ، وأعوذ بك من عذاب القبر ، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال » « 8 » .

--> ( 1 ) أي مالت وتنحت عن الطريق . ( 2 ) أي تمتحن ، والمراد به امتحان الملكين للميت بقولهما له : من ربك ومن نبيك . ( 3 ) أصله أن تتدافنوا ، فحذف إحدى التاءين ، وفي الكلام حذف ، والمعنى : لولا مخافة أن لا تدافنوا . ( 4 ) ليس المعنى أنهم لو سمعوا ذلك تركوا التدافن لئلا يصاب موتاهم بالعذاب كما زعم البعض ، لأن المخاطبين هم الصحابة ، وكانوا على علم أن عذاب اللّه لا يرد بحيلة أو غيرها ، بل المعنى أنهم لو سمعوا ذلك لتركوا دفنه استهانة به أو لعدم قدرتهم عليه أو لدهشتهم وتحيرهم منه . ( 5 ) أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه ( 8 / 160 ) . ( 6 ) المحيا مفعل من الحياة ، كالممات من الموت ، المراد الحياة أو الموت أو زمن ذلك . ( 7 ) وأخرجه أيضا ابن ماجة وأبو داود . ( 8 ) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة باب التشهد ، وأخرجه الترمذي في كتاب الدعوات باب 77 وأخرجه -