ابن قيم الجوزية

81

الروح

وهو اختيار ابن حزم وابن مرة ، فهذا القول ليس من الأقوال الثلاثة الشاذة ، بل هو مضاف إلى قول من يقول بعذاب القبر ، ويقر بالقيامة ، ويثبت معاد الأبدان والأرواح ، ولكن هؤلاء لهم في عذاب القبر ثلاثة أقوال : إحداها : أنه على الروح فقط . والثاني : أنه عليها وعلى البدن بواسطتها . والثالث : أنه على البدن فقط ، وقد يضم إلى ذلك القول الثاني وهو قول من يثبت عذاب القبر ويجعل الروح هي الحياة ، ويجعل الشاذ قول منكر عذاب الأبدان مطلقا ، وقول من ينكر عذاب الروح مطلقا ، فإذا جعلت الأقوال الشاذة ثلاثة فالقول الثاني الشاذ قول من يقول أن الروح بمفردها لا تنعم ولا تعذب ، وإنما الروح هي الحياة ، وهذا يقوله طوائف من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية كالقاضي أبي بكر وغيره ، وينكرون أن الروح تبقى بعد فراق البدن ، وهذا قول باطل قد خالف أصحابه أبو المعالي الجويني « 1 » وغيره بل قد ثبت بالكتاب والسنّة واتفاق الأمة أن الروح تبقى بعد فراق البدن وأنها منعمة أو معذبة ، والفلاسفة الإلهيون يقرون بذلك . ولكن ينكرون معاد الأبدان ، وهؤلاء يقرون بمعاد الأبدان ، لكن ينكرون معاد الأرواح ونعيمها وعذابها بدون الأبدان ، وكلا القولين خطأ وضلال ، لكن قول الفلاسفة أبعد عن أقوال أهل الإسلام ، وإن كان يوافقهم عليه من يعتقد أنه متمسك بدين الإسلام ، بل من يظن أنه من أهل المعرفة والتصوف والتحقيق والكلام . والقول الثالث الشاذ قول من يقول : إن البرزخ ليس فيه نعيم ولا عذاب ، بل لا يكون ذلك حتى تقوم الساعة الكبرى كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ونحوهم ممن ينكر عذاب القبر ونعيمه ، بناء على أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن ، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب ، فجميع هؤلاء الطوائف ضلال في أمر البرزخ لكنهم خير من الفلاسفة فإنهم مقرون بالقيامة الكبرى .

--> ( 1 ) إمام الحرمين ، المتوفي سنة 478 ه .