ابن قيم الجوزية
80
الروح
فدل هذا الحديث أن الروح تعاد بين الجسد والأكفان ، وهذا عود غير التعلق الذي كان لها في الدنيا بالبدن ، وهو نوع آخر ، وغير تعلقها به حال النوم ، وغير تعلقها به وهي في مقرها ، بل هو عود خاص للمسألة . وقال شيخ الإسلام : الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عودة الروح إلى البدن وقت السؤال ، وسؤال البدن بلا روح قول قاله طائفة من الناس وأنكره الجمهور ، وقابلهم آخرون فقالوا : السؤال للروح بلا بدن ، وهذا قاله ابن مرة وابن حزم ، وكلاهما غلط ، والأحاديث الصحيحة ترده ، ولو كان ذلك على الروح فقط لم يكن للقبر بالروح اختصاص . [ عذاب القبر وعلامة البدن والروح به ] وهذا يتضح بجواب المسألة وهي قول السائل : هل عذاب القبر على النفس والبدن أو على النفس دون البدن أو على البدن دون النفس . وهل يشارك البدن النفس في النعيم والعذاب أم لا ؟ . وقد سئل شيخ الإسلام عن هذه المسألة ، ونحن نذكر لفظ جوابه فقال : بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعا باتفاق أهل السنّة والجماعة ، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن ، وتنعم وتعذب متصلة بالبدن ، والبدن متصل بها ، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين ، كما تكون على الروح منفردة عن البدن ، وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح ؟ هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنّة وأهل الكلام ، وفي المسألة أقوال شاذّة ليست من أقوال أهل السنّة والحديث ، قول من يقول : إن النعيم والعذاب لا يكون إلا على أرواح ، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب ، وهذا تقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان ، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين ، ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم الذين يقرون بمعاد الأبدان لكي يقولون لا يكون ذلك في البرزخ ، وإنما يكون عند القيام من القبور ، لكن هؤلاء ينكرون عذاب البدن في البرزخ فقط ، ويقولون : إن الأرواح هي المنعمة أو المعذبة في البرزخ ، فإذا كان يوم القيامة عذبت الروح والبدن معا . وهذا القول قاله طوائف من المسلمين من أهل الكلام والحديث وغيرهم ،