ابن قيم الجوزية

69

الروح

الميت يحيا في قبره قبل يوم القيامة فخطأ ، إن الآيات التي ذكرناها تمنع من ذلك ، يعني قوله تعالى قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ « 1 » وقوله تعالى كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ « 2 » قال : ولو كان الميت يحيا في قبره لكان تعالى قد أماتنا ثلاثا ثم أحيانا ثلاثا ، وهذا باطل وخلاف القرآن إلا من أحياه اللّه تعالى آية لنبي من الأنبياء كالذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم اللّه موتوا ، ثم أحياهم ، والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ، ومن خصه نص ، وكذلك قوله تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى « 3 » فصح بنص القرآن أن أرواح سائر من ذكرنا لا ترجع إلى جسده إلا إلى الأجل المسمى وهو يوم القيامة ، وكذلك أخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه رأى الأرواح ليلة أسري به عند سماء الدنيا من عن يمين آدم أرواح أهل السعادة ، وعن شماله أرواح أهل الشقاوة ، وأخبر يوم بدر إذ خاطب الموتى أنهم قد سمعوا قوله قبل أن تكون لهم قبور ، ولم ينكر على الصحابة قولهم قد جيفوا ، واعلم أنهم سامعون قوله مع ذلك ، فصح أن الخطاب والسماع لأرواحهم فقط بلا شك ، وأما الجسد فلا حس له وقد قال تعالى وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ « 4 » فنفي السمع عمن في القبور وهي الأجساد بلا شك ، ولا يشك مسلم أن الذي نفى اللّه عز وجل عنه السمع هو غير الذي أثبت له رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم السمع . قال : ولم يأت قط عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في خبر صحيح أن أرواح الموتى ترد إلى أجسادهم عند المسألة ، ولو صح ذلك عنه لقلنا به قال وإنما تفرد بهذه الزيادة من رد الأرواح في القبور إلى الأجساد منهال بن عمرو وحده ، وليس بالقوي ، تركه شعبة وغيره ، وقال فيه المغيرة بن مقسم الضبي وهو أحد الأئمة : ما جازت للمنهال بن عمرو قط شهادة في الإسلام ، على ما قد نقل وسائر الأخبار الثابتة على خلاف ذلك .

--> ( 1 ) سورة غافر ، الآية 11 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية 28 . ( 3 ) سورة الزمر ، الآية 42 . ( 4 ) سورة فاطر ، الآية 22 .