ابن قيم الجوزية

70

الروح

قال : وهذا الذي قلنا هو الذي صح أيضا عن الصحابة . ثم ذكر من طريق ابن عيينة عن منصور بن صفية عن أمه صفية بنت شيبة قالت : دخل ابن عمر المسجد ، فأبصر ابن الزبير مطروحا قبل أن يقبر ، فقيل له : هذه أسماء بنت أبي بكر الصديق ، فمال ابن عمر إليها فعزاها ، وقال : إن هذه الجثث ليست بشيء ، وإن الأرواح عند اللّه ، فقالت أمه : وما يمنعني وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل . ( قلت ) ما ذكره أبو محمد فيه حق وباطل ، وأما قوله : من ظن أن الميت يحيا في قبره فخطأ ، فهذا فيه إجمال إن أراد به الحياة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبره وتصرفه ويحتاج معها إلى الطعام والشراب واللباس فهذا خطأ كما قال والحس والعقل يكذبه كما يكذبه النص . وإن أراد به حياة أخرى غير هذه الحياة ، بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا ليسأل ويمتحن في قبره فهذا حق ونفيه خطأ ، وقد دل عليه النص الصحيح الصريح وهو قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « فتعاد في جسده » ، وسنذكر الجواب عن تضعيفه للحديث إن شاء اللّه تعالى . وأما استدلاله بقوله تعالى : قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ « 1 » فلا ينفي هذه الإعادة العارضة للروح في الجسد ، كما أن قتيل بني إسرائيل الذي أحياه اللّه بعد قتله ثم أماته لم تكن تلك الحياة العارضة له للمسألة معتدا بها ، فإنه حي لحظة بحيث قال : فلان قتلني ثم خرّ ميتا « 2 » ، على أن قوله : ثم تعاد روحه في جسده لا يدل على حياة مستقرة ، وإنما يدل على إعادة لها إلى البدر وتعلق به الروح لم تزل متعلقة ببدنها وإن بلي وتمزق . وسر ذلك أن الروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق مغايرة الأحكام : ( أحدها ) تعلقها به في بطن الأم جنينا . ( الثاني ) تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض .

--> ( 1 ) سورة غافر ، الآية 11 . ( 2 ) قال تعالى في سورة البقرة ، الآية 72 و 73 : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ . فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .