ابن قيم الجوزية
63
الروح
وشأنه لكان حقيقا أن يعض عليه بالنواجذ وللّه الحمد والمنّة وبه التوفيق . المسألة الخامسة ( وهي : أن الأرواح بعد مفارقة الأبدان إذا تجردت ، بأي شيء يتميز بعضها من بعض حتى تتعارف وتتلاقى ، وهل تشكل إذا تجردت بشكل بدنها الذي كانت فيه وتلمس صورته أم كيف يكون حالها ؟ ) هذه مسألة لا تكاد تجد من تكلم فيها ولا يظفر فيها من كتب الناس بطائل ولا غير طائل ، ولا سيما على أصول من يقول بأنها مجردة عن المادة وعلائقها ، وليست بداخل العالم ولا خارجه ، ولا لها شكل ولا قدر ولا شخص ، فهذا السؤال على أصولهم مما لا جواب لهم عنه ، وكذلك من يقول : هي عرض من أعراض البدن فتميزها عن غيرها مشروط بقيامها ببدنها ، فلا تميز لها بعد الموت ، بل لا وجود لها على أصولهم ، بل تعدم وتبطل باضمحلال البدن ، كما تبطل سائر صفات الحي ، ولا يمكن جواب هذه المسألة إلا على أصول أهل العينة التي تظاهرت عليها أدلة القرآن والسنّة والآثار والاعتبار والعقل ، والقول أنها ذات قائمة بنفسها تصعد وتنزل وتتصل وتنفصل وتخرج وتذهب وتجيء وتتحرك وتسكن ، وعلى هذا أكثر من مائة دليل ، وقد ذكرنا في كتابنا الكبير في معرفة الروح والنفس ، وبينا بطلان ما خالف هذا القول من وجوه كثيرة ، وأن من قال غيره لم يعرف نفسه . وقد وصفها اللّه سبحانه وتعالى بالدخول والخروج ، والقبض والتوفي ، والرجوع وصعودها إلى السماء ، وفتح أبوابها لها وغلقها عنها ، فقال تعالى : وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ « 1 » وقال تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي « 2 » . وهذا يقال لها عند المفارقة للجسد ، وقال تعالى : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها « 3 » . فأخبر أنه سوى النفس كما أخبر أنه سوى البدن في قوله : الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ « 4 » فهو سبحانه سوى نفس الإنسان ، كما سوى بدنه ، بل سوى بدنه
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، الآية 93 . ( 2 ) سورة الفجر ، الآية 27 . ( 3 ) سورة الشمس ، الآية 7 و 8 . ( 4 ) سورة الانفطار ، الآية 7 .