ابن قيم الجوزية

64

الروح

كالقلب لنفسه ، فتسوية البدن تابع لتسوية النفس ، والبدن موضوع لها كالقلب لما هو موضوع له . ومن هاهنا يعلم أنها تأخذ من بدنها صورة تتميز بها عن غيرها ، فإنها تتأثر وتنتقل عن البدن ، كما يتأثر البدن وينتقل عنها ، فيكتسب البدن الطيب والخبيث من طيب النفس ، وخبيثها وتكتسب النفس الطيب والخبيث من طيب البدن وخبثه ، فأشد الأشياء ارتباطا وتناسبا وتفاعلا وتأثرا من أحدهما بالآخر الروح والبدن ، ولهذا يقال عند المفارقة : أخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ، وأخرجي أيتها النفس الخبيثة [ التي ] « 1 » كانت في الجسد الخبيث . وقال اللّه تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى « 2 » فوصفها بالتوفي والإمساك والإرسال ، كما وصفها بالدخول والخروج والرجوع والتسوية ، وقد أخبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن بصر الميت يتبع نفسه إذا قبضت ، وأخبر أن الملك يقبضها فتأخذها الملائكة من يده ، فيوجد لها كأطيب نفخة مسك وجدت على الأرض ، أو كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض « 3 » . والأعراض لا ريح لها ولا تمسك ولا تؤخذ من يد إلى يد . وأخيرا أنها تصعد إلى السماء ويصلي عليها كل ملك للّه بين السماء والأرض ، وأنها تفتح لها أبواب السماء ، فتصعد من سماء إلى سماء ، حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها اللّه عز وجل ، فتوقف بين يديه ويأمر بكتابة اسمه في ديوان أهل عليين ، أو ديوان أهل سجين ، ثم ترد إلى الأرض ، وأن روح الكافر تطرح طرحا وأنها تدخل مع البدن وفي قبرها للسؤال . وقد أخبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بأن نسمة المؤمن وهي روحه طائر يعلق في شجرة الجنة حتى يردها اللّه إلى جسده « 4 » ، وأخبر أن أرواح الشهداء في

--> ( 1 ) زيادة على النص المطبوع . ( 2 ) سورة الزمر ، الآية 42 . ( 3 ) انظر مسند الإمام أحمد ( 4 / 287 و 288 ) . ( 4 ) أخرج ابن ماجة في كتاب الجنائز رقم ( 1449 ) عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال : لما -