ابن قيم الجوزية
62
الروح
( أحدهما ) أن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق . ( والثاني ) هكذا : أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ، ففي الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وبيدي لواء الحمد ولا فخر ، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي ، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر » قال الترمذي : حديث حسن صحيح « 1 » . فدخل على الراوي هذا الحديث في الحديث الآخر ، وكان شيخنا أبو الحجاج الحافظ يقول ذلك . فإن قيل : فما تصنعون بقوله : « فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى اللّه عز وجل » والذين استثناهم اللّه إنما هم مستثنون من صعقة النفخة لا من صعقة يوم القيامة كما قال اللّه تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ « 2 » ، ولم يقع الاستثناء من صعقة الخلائق يوم القيامة . قيل : هذا واللّه أعلم غير محفوظ ، وهو وهم من بعض الرواة ، والمحفوظ ما تواطأت الروايات الصحيحة من قوله : « فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور » فظن بعض الرواة أن هذه الصعقة هي صعقة النفخة ، وأن موسى داخل فيمن استثنى منها ، وهذا لا يلتئم على مساق الحديث قطعا ، فإن الإفاقة حينئذ هي إفاقة البعث ، فكيف يقول : « لا أدري أبعث قبلي أم جوزي بصعقة الطور » فتأمله ، وهذا بخلاف الصعقة التي يصعقها الخلائق يوم القيامة إذا جاء اللّه سبحانه لفصل القضاء بين العباد وتجلى لهم فإنهم يصعقون جميعا ، وأما موسى عليه السلام فإن كان لم يصعق معهم فيكون قد حوسب بصعقته يوم تجلى ربه للجبل فجعله دكا « 3 » ، فجعلت صعقة هذا التجلي عوضا من صعقة الخلائق لتجلي الرب يوم القيامة ، فتأمل هذا المعنى العظيم ولو لم يكن في الجواب إلا كشف هذا الحديث
--> ( 1 ) انظر سنن الترمذي رقم 2434 و 3148 و 3615 . ( 2 ) سورة الزمر ، الآية 68 . ( 3 ) قال تعالى في سورة الأعراف ، الآية 143 : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ، قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ، قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ .