ابن قيم الجوزية
59
الروح
فإن قيل : فعند النفخ في الصور هل تبقى الأرواح حية كما هي أو تموت ثم تحيا ؟ قيل : قد قال تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ « 1 » فقد استثنى اللّه سبحانه بعض من في السماوات ومن في الأرض من هذا الصعق « 2 » . فقيل : هم الشهداء ، هذا قول أبي هريرة وابن عباس وابن جبير . وقيل : هم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ، وهذا قول مقاتل وغيره . وقيل : هم الذين في الجنة من الحور العين وغيرهم ، ومن في الناس من أهل العذاب وخزنتها ، قاله أبو إسحاق بن شاقلا من أصحابنا . وقد نص الإمام أحمد على أن : الحور العين والدان لا يمتن عند النفخ في الصور ، وقد أخبر سبحانه أن أهل الجنة لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى « 3 » . وهذا نص على أنهم لا يموتون غير تلك الموتة الأولى ، فلو ماتوا مرة ثانية لكانت موتتان ، وأما قول أهل النار : رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ « 4 » فتفسيره هذه الآية التي في البقرة وهي قوله تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ « 5 » فكانوا أمواتا وهم نطف في أصلاب آبائهم وفي أرحام أمهاتهم ثم أحياهم بعد ذلك ، ثم أماتهم ثم يحييهم يوم النشور ، وليس في ذلك إماتة أرواحهم قبل يوم القيامة وإلا كانت ثلاث موتات ، وصعق الأرواح عند النفخ في الصور لا يلزم منه موتها ، ففي الحديث الصحيح أن « الناس يصعقون يوم القيامة ، فأكون أول من يفيق ، فإذا موسى آخذ بقائمة العرش ، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور » . فهذا صعق في موقف القيامة إذ جاء اللّه تعالى لفصل القضاء ، وأشرقت
--> ( 1 ) سورة الزمر ، الآية 68 . ( 2 ) قال المفسرون أن ممن يستثنى من هذا الصعق ( واللّه أعلم ) حملة العرش والحور العين والولدان المخلدون . ( 3 ) سورة الدخان ، الآية 56 . ( 4 ) سورة غافر ، الآية 11 . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية 28 .