ابن قيم الجوزية

60

الروح

الأرض بنوره ، فحينئذ تصعق الخلائق كلهم ، قال تعالى : فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ « 1 » ، ولو كان هذا الصعق موتا لكانت موتة أخرى ، وقد تنبه لهذا جماعة من الفضلاء ، فقال أبو عبد اللّه القرطبي : ظاهر هذا الحديث أن هذه صعقة غشي تكون يوم القيامة ، لا صعقة الموت الحادثة عن نفخ الصور ، قال : قد قال شيخنا أحمد بن عمرو : ظاهر حديث النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يدل على أن هذه الصعقة إنما هي بعد النفخة الثانية نفخة البعث ، ونص القرآن يقتضي أن ذلك الاستثناء إنما هو بعد نفخة الصعق ، ولما كان هذا [ قول ] « 2 » فيحتمل أن يكون موسى ممن لم يمت من الأنبياء ، وهذا باطل ، وقال القاضي عياض : يحتمل أن يكون المراد بهذه صعقة فزع بعد النشور حين تنشق السماوات والأرض ، قال : فتستقل الأحاديث والآثار ، ورد عليه أبو العباس القرطبي فقال : يرد هذا قوله في الحديث الصحيح أنه حين يخرج من قبره يلقى موسى آخذا بقائمة العرش ، قال : وهذا إنما هو عند نفخة الفزع . قال أبو عبد اللّه : وقال شيخنا أحمد بن عمرو : الذي يزيح هذا الإشكال إن شاء اللّه تعالى أن الموت ليس بعدم محض ، وإنما هو انتقال من حال إلى حال ، ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون ، فرحين مستبشرين ، وهذه صفة الأحياء في الدنيا ، وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى ، مع أنه قد صح عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء ، وأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس وفي السماء ، وخصوصا بموسى ، وقد أخبر بأنه ما من مسلم يسلم عليه إلا رد اللّه عليه روحه حتى يرد عليه السلام ، إلى غير ذلك مما يحصل من حملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو رجع إلى أن غيبوا عنا ، بحيث لا ندركهم ، وإن كانوا موجودين أحياء ، وذلك كالحال في الملائكة ، فإنهم أحياء موجودون ولا تراهم ، وإذا تقرر أنهم احياء ، فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق ، صعق كل من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللّه ، فأما صعق غير الأنبياء فموت ، وأما صعق الأنبياء فالأظهر أنه غشية ، فإذا نفخ في الصور نفخة البعث فمن

--> ( 1 ) سورة الطور ، الآية 45 . ( 2 ) وردت في المطبوع : قال .