ابن قيم الجوزية

55

الروح

ولم يزل الناس قديما وحديثا تعرف هذا وتشاهده ، قال جميل بن معمر الغنوي : أظل نهاري مستهاما وتلتقي * مع الليل روحي في المنام وروحها فإن قيل : فالنائم يرى غيره من الأحياء يحدثه ويخاطبه وربما كان بينهما مسافة بعيدة ويكون الرائي يقظان ، روحه لم تفارق جسده ، فكيف التقت روحاهما ، قيل : هذا إما أن يكون مثلا مضروبا ضربه ملك الرؤيا للنائم ، أو يكون حديث نفس من الرائي تجرد له منامه كما قال حبيب بن أوس : سقيا لطيفك من زور أتاك به * حديث نفسك عنه وهو مشغول وقد تتناسب الروحان وتشتد علاقة إحداهما بالأخرى ، فيشعر كل منهما ببعض ما يحدث لصاحبه ، وإن لم يشعر بما يحدث لغيره لشدة العلاقة بينهما ، وقد شاهد الناس من ذلك عجائب . والمقصود أن أرواح الأحياء تتلاقى في النوم ، كما تتلاقى أرواح الأحياء والأموات ، قال بعض السلف : إن الأرواح تتلاقى في الهواء فتتعارف أو تتناكر ، فيأتيها ملك الرؤيا بما هو لاقيها من خير أو شر ، قال : وقد وكل اللّه بالرؤيا الصادقة ملكا علمه وألهمه معرفة كل نفس بعينها واسمها ومتقلبها في دينها ودنياها وطبعها ومعارفها ، لا يشتبه عليه منها شيء ولا يغلط فيها ، فتأتيه نسخة من علم غيب أئمة من أم الكتاب بما هو مغيب لهذا الإنسان من خير وشر في دينه ودنياه ، ويضرب له فيها الأمثال والأشكال على قدر عادته ، فتارة يبشره بخير قدمه أو يقدمه ، وينذره من معصية ارتكبها أو هم بها ، ويحذره من مكروه انعقدت أسبابه ليعارض تلك الأسباب بأسباب تدفعها ، ولغير ذلك من الحكم والمصالح التي جعلها اللّه في الرؤيا نعمة منه ورحمة وإحسانا وتذكيرا وتعريفها ، وجعل أحد طرق ذلك تلاقي الأرواح وتذاكرها وتعارفها ، وكم من كانت توبته وصلاحه وزهده وإقباله على الآخرة عن منام رآه أو رئي له ، وكم ممن استغنى وأصاب كنزا دفينا عن منام . وفي ( كتاب المجالسة ) لأبي بكر أحمد بن مروان المالكي عن ابن قتيبة عن أبي حاتم عن الأصمعي عن المعتمر بن سليمان عمن حدثه قال : خرجنا مرة في سفر وكنا ثلاثة نفر ، فنام أحدنا ، فرأينا مثل المصباح خرج من أنفه فدخل غارا قريبا